الله سبحانه وتعالى أعطى كل إنسان سمات تميزه عن الآخرين تصنع شكله وسلوكه الخارجي أمام المجتمعات الأخرى كل ما عليه فعله أن يستفيد مما أعطاه الله سبحانه وتعالى من سمات وصفات ومواهب وطاقات ، ومن ثم يحسن تقديمها والتعبير عنها للآخرين ولكن إذا فشل في هذا الأمر فالأجدر به أن لا يلومن إلا نفسه.
السيرة الذاتية الأداة الأولى الفعالة في التعبير عن ذاتك ، ويتم من خلالها مد جسور التواصل بينك وبين أصحاب الأعمال ، وإذا لم تكن هذه الأداة على مستوى عالي من الجودة والإعداد ، فإن الرسالة ستصل ضعيفة ورتيبة ، ولن تحوز رضا مستقبليها على أي حال .
لذلك فأنت في حاجة لأن تحترف كتابة سيرتك الذاتية وتستكشف مفاتيح وخبايا وأسرار هذه الرسالة وكيف يصل مضمونها إلى المستقبل لها بما يتوافق مع حاجاته هو قبل أن يكون مردودها عليك أنت .
فالسيرة الذاتية ليست مجرد ورقة مكتوب عليها معلومات كما يظن البعض ، ولكنها وسيلة اتصال فعالة بينك وبين عملاءك المنتظرين تستطيع أن تعلن من خلالها عن مواطن القوة في شخصيتك المهنية ، وعرض خبراتك وكفاءاتك بشكل جذاب ومنظم .
وأعتقد بأننا في عالمنا العربي في حاجة ماسة إلى مثل هذه المهارة ، فالذي يرصد حركة المتقدمين للأعمال اليوم عندما يبدأون في البحث عن وظيفة ، آخر شيء يفكرون فيه هو أن يعدون سيرة ذاتية ، وإذا قاموا بإعدادها يقومون بها مضطرين أو متثاقلين ، ويكون ذلك في الغالب بناءً على طلب صاحب العمل ، والنتيجة هي أن تخرج السيرة الذاتية باهتة ، و لا تعبر بشكل أو بآخر عن طبيعة وخبرات الشخص المتقدم ، فيخسر الكثير بسبب الانطباعات الخاطئة التي تنطبع في ذهن أصحاب الأعمال عنه، وأولى الخسائر التي تلحق بالمتقدم هي استبعاده من قائمة المرشحين للوظائف .
المنافسة الشرسة في سوق العمل ، جعلت أصحاب الأعمال يراهنون على ورقة استقطاب العناصر البشرية الفعالة كأداة قوية لاستدرار الأرباح وتحقيق النجاحات، في نفس الوقت الذي يكافح العنصر البشري لإثبات كفاءته وجدارته ليحصل على وظيفة محترمة . ولم يعد الأمر الآن قاصراً على الوظائف العادية فقط ، بل وعلى مستوى الوظائف النادرة والراقية أيضاً إقليمياً ودولياً .
لذلك أصبح اليوم من الضروري أن نكون على مستوى هذا التحدي وأن ندخل مضمار السباق وننافس بحكمة ، لا أن نتقهقهر ، وننزوي .
اسأل نفسك : كيف أستطيع أن أحدد نقاط الالتقاء التي تتطابق عندها المواصفات المطلوبة لموظف المستقبل في سوق العمل ورجال الأعمال الذين يتحينون الفرصة لاقتناص الفرص السانحة لتوظيف الأكفاء .
أول خيط يصنع نسيج هذا التواصل هو السيرة الذاتية الاحترافية التي تغري صاحب العمل لأن يقول " هو ده الشخص المناسب الذي كنت أبحث عنه من زمان " . في تجربة شخصية لي:
استدعيت للمقابلة الشخصية من قبل أحد رجال الأعمال في احدى العواصم العربية للعمل في شركته المحترمة ، والتي كان يبحث عن موظف لشغل وظيفة "مدير مكتب" وتحددت المقابلة ، وجلسنا سوياً في أحد الفنادق الفخمة ، وأثناء تصفحه لسيرتي الذاتي قال لي : " إنت عارف لماذا وقع عليك الاختيار للمقابلة الشخصية من بين عدد كبير من المتقدمين لشغل هذه الوظيفة ؟ جذب انتباهي بهذا التساؤل ، وقلت له : لماذا ؟ قال : أسلوب كتابتك وطريقة عرضك في السيرة الذاتية" . لاحظوا معي إنه لم يتحدث عن خبرات ولا مؤهلات ، رغم أهميتها ، ولكن الذي استرعى انتباهه وكانت بالنسبة له نقطة تفضيل أو ترجيح هي طريقة العرض وأسلوب الكتابة .
عنصر هام آخر يجعل سيرتك متواءمة مع متطلبات سوق الأعمال ، ألا وهو التركيز على الجدارات الكامنة في شخصيتك ، والجدارات الكامنة بالمعنى البسيط هو دوافعك نحو العمل ، ومواصفات شخصيتك الإيجابية ، فأبرز ما يركز عليه رجال الأعمال اليوم هو هذه المنطقة بإجراء ما يسمى بترميز المقابلات السلوكية ، وهذا المفهوم بدأ ينتشر على يد عالم أمريكي اسمه " ماك ماكليلاند " 1971م وله قصته مع وزارة الخارجية الأمريكية ، (ربما نستعرضها لاحقاً ) ، المهم إن هذا المفهوم تبنته كثير من دول العالم المتقدم في أوروبا وأمريكا ، وبدأت بعض الشركات الكبرى في الدول الخليجية في التسعينات في تطبيقه ليس كأسلوب في المقابلات الشخصية فقط ، ولكن أيضا كمنهج وأسلوب ممارسة في جميع وظائف الموارد البشرية من تعيين ، ونقل وترقية وتدريب ، وإحلال ..الخ.
وكخطوة عملية وإيجابية أولى لمن يريد تحقيق مستقبل مهني واعد أن يبدأ في إعداد سيرته الذاتية التي تعبر عن شخصيته المهنية ومساره الوظيفي ، وسلسلة إنجازاته ، وبعض من سماته الشخصية المميزة التي هي في أغلب الأحيان تكون بمثابة نقاط الترجيح أو حجر زاوية النجاح في الفوز بالوظيفة .
هذه أعتقد ستكون نقطة تحول كبيرة في الحياة المهنية لكل من يتطلع إلى النجاح ، ولكل من استطاع أن يستجمع قواه ويأخذ قراراً صارماً نحو التغيير إلى الأفضل ليتقلد الموقع الذي يناسبه، وستكون خطوة أيضاً محفزة لكل من يرى نفسه الآن في المكان الخطأ ، ويعتقد إنه يجب أن يغادره فوراً ، ولكنه لا يترجم هذا الشعور إلى خطوات عملية أو إعداد جاد يرقى بمستوى هذا الشعور.
أو إنها لربما ستكون نقطة الانطلاق لمن هم حديثي التخرج الذين يرنون بأبصارهم بمستقبل واعد لبدأ حياتهم العملية على مسار وظيفي صحيح ومدروس ، ويحصلوا منذ البداية على ما يناسب قدراتهم وكفاءتهم الشخصية ، ومن ثم يأخذ الارتقاء والتطوير سبيله نحو الصعود.