رغم ما يتحدث عنه العالم الحديث من إزدياد معدلات القمع أو إجهاض لمحاولات التعبير عن الرأى إلا أنه على الجانب الأخر برزت فى هذا العالم صيغ مختلفة للدفاع على ما يعرف بحقوق الإنسان ، وهى كلمة ذات وضع رنان بدأت تدخل فى نسيج الحياة اليومية ، وفى كل فترة نسمع عن قضية هنا أوهناك يتم الإعلان عنها بوصفها قضية تدخل فى ملف حقوق الإنسان ونجد فيها نجوم المنظمات الحقوقية على الشاشات ليدافعوا عن القضية رافعين شعار الحرية ، وإذا ما راجعت ما تعرضه هذه المنظمات ستجد عدد من الأمور ، نضعها فى نقاط واضحة ثم نتحدث عن بعض الجوانب تفصيلاً :
1- أى قضية تدخل ضمن ملف حقوق الإنسان موجهة نحو حالة معينة قرروا إعتبارها مثال واضح على الإضطهاد ، ونموذج صارخ للعنصرية ، وممارسات قمعية ، وبلطجة ، و........................
2- أعتقد إتضح من النقطة السابقة أن هناك قاموس لا يمكن أن تخطأه فإذا وجدت كلمة من هذه الكلمات فى العنوان فيمكنك توقع ما هو أت .
3- إنك لا تجد دولة واحدة يمكن أن تعتبرها نموذج يقبله القائمين على هذه المنظمات باعتباره ينحى منحى إيجابى نحو حقوق الإنسان من وجهة نظرهم .
4- الكثير مما يدخل ضمن ملفات حقوق الإنسان لا يختص بالإحتياجات الأساسية للبشر ، بل إن بعض القضايا التى يتحدثون عنها يراها الكثيرين من الفئة المتوسطة والأقل من المتوسطة – وهى تمثل السواد الأعظم - رفاهية .
5- تقوم الكثير من القضايا الحقوقية على أشياء فلسفتها الأساسية ( انسف حمامك القديم) ففى كثير من الأحيان تراها ضد ما إرتضاه المجتمع بشكل أو بأخر مثل الوقوف ضد بعض قيم المجتمع ومحاولة ضربها بيد من حديد لصالح الفرد الذى يجب أن يعيش حر حرية مطلقة !!! .
6- لا يقبل أصحاب الملفات الحقوقية أى قيد مهما بدا من تنفيذه أن له أهمية ورحبت به جموع المواطنين ، والمثل الأشهر على ذلك إعتراض بعض المنظمات على إعدام المغتصبين وإعتباره حكم غير عادل ويتم وصفه من خلال القاموس الذى تم الاتفاق على مصطلحاته لتكون معروفة ، تماماً مثلما تعنون بعض الصحف قضاياها مهما كانت بسيطة وتافهة بـ ( مفاجأة من العيار الثقيل !!) ..
7- الإهتمام بحقوق الإنسان من جهة واحدة دون النظر للجهة الأخرى ، فالإعلام على سبيل المثال – وهو أهم ما يقوم الحقوقيين على حمايته مهما بدا سخيفاً وخارج عن المجتمع – له حق حمايته وحقه فى حرية التعبير ، لكنهم لا يهتمون بالجانب الأخر للمجتمع الذى يتمثل فى حقه على المبدع بألا يكون إبداعه ضربة يوجهها للمجتمع وقيمه ، جميل أن يكون هناك صحافة معارضة لكن هناك فارق بين جريدة تكشف المستور من فساد وجريدة تكشف عورات البشر من بيوتهم وحياتهم ويختلط الحابل بالنابل وتجد من يخطئ فى عمل ما فى منصب ما صور بناته وتعليقات على زوجته ما أنزل الله بها من سلطان ، وتقع حرمة كل شئ لمجرد أن هذا الشخص مسؤل فى أى مكان وأساء أو أخطأ وقررت الجريدة فضحه فاستخدمت كل ما هو مشروع وغير مشروع للحديث المشروع وغير المشروع عن حياته وحياة أسرته التى قد يكون بعضها ضحية مثل من أساء لهم تماماً ، فهل كل إمرأة تعرف ماذا يفعل زوجها فى عمله ؟؟ وهل كل فتاة تعرف تحديداً مدى مشروعية مال أبيها ؟؟ وهنا حدث ولا حرج ، فحينما يلجأ أحد للقانون لحمايته فإذا بالحقوقيين يحذرون ويرفضون ويشجبون و............. ( طبعاً الكلمات دى مش غريبة عليكم ) لكن تعالى نشوف أى قضية تخص يوميات المواطن البسيط واحتياجاته فلن تجد أى حقوقى يعرف عنها شئ فالقضية لكى تصبح قضية حقوقية لها مواصفات لا تنطبق على شخص لا يجد علاجه أو صاحب معاش منخفض حدثت له مشكلة أو غير ذلك .
والأن نأخذ مثال نطبق عليه ما عرضته لنعرف كيف تتم الأمور :
لبنى أحمد حسين ، الصحفية السودانية صاحبة القضية الأكثر شهرة وتناول الأن والقضية التى تشغل بال الحقوقيين وتتصدر أخبارها بعض المواقع الإخبارية ، ولا أعرف إن كان الكثير من حضراتكم قرأتم عنها ، فقد أقيمت لها يوم الثلاثاء الماضى الموافق 4 أغسطس موكب نسائى بالخرطوم تضامناً معها خلال محاكمتها ، وقام على الموكب عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية ومنظمات المرأة ن وأعلنت الأستاذة أمل هبانى منسق عام حملة تأييد لبنى أن ما يحدث للبنى هو صورة فجة لقهر المرأة !! وأنها صورة تدفع لضرورة التحول الديمقراطى !!! وأن هدفها حذف القوانين المسيئة للمرأة !! وأن الحملة والجهاد لن يقف عند براءة لبنى !!!
وقبل أن نضع مواصفات القضية التى جعلتها تدخل ضمن حقوق الإنسان تعالوا أقولكم ايه هى الحكاية :
لبنى أحمد حسين صحفية ( حقوقية ) تم القبض عليها بتهمة إرتداء بنطلون (فاضح) وقد حالتها السطات السودانية من أسبوعين للمحاكمة تبعاً للمادة 52 من القانون الجنائي لسنة 1991 تحت بند "ارتداء ملابس خادشة للحياء والذوق العام" وتنص هذه المادة فى حالة ثبوت التهمة بجلدها 40 جلدة وفقاً لقانون النظام العام .
بس .. هذا هو الأمر ، وقد تعرضت لهذه المحاكمة أخريات فى أوقات مختلفة ، لكن لبنى صاحبة قلم ، وهذا يجعل لقضيتها صيغة مختلفة ، فبقدرة قادر ولا تتعجب قدرة الله تحولت قضية البنطلون الخادش للحياء العام - قيل فى بعض الأخبار أنه شفاف أو شديد الضيق على عكس ماهو متعارف عليه فى ملبس المرأة السودانية – إلى قضية سياسية تتدخل فيها الأحزاب السياسية ، والمنظمات الحقوقية ، والأجهزة الإعلامية ، وتيتا سامية وسنية ، وغيرهم!!!!!!!!!!!!!!!! طيب نقول إيه بقى للناس اللى بتموت من الجوع فى السودان ؟!! ونقول إيه للمشاكل التى تغرق فيها وتحتاج لآلاف المنظمات كى تتدخل وتساعد فى الحل وترفع الوعى لدى البشر والطوائف لكى يجتمع كله تحت مظلمة وعلم السودان ، تحتاج لتنشيط إقتصادى وشاريع تلبى رغباتهم الأساسية واحتياجاتهم الضرورية حتى لا تظهر دائما كبؤرة سوداء لأشياء أهم من حرية شخصية لفرد ،فتكون مثل لا انسانى للمجاعات والأمراض والأوبئة ، فربما استطاعت لبنى أن تهجر المجتمع أو تتواجد فيه بطريقته حتى ترفع وعى الناس لما مَنَ الله عليها به من نعم ، حتى يصبح المجتمع جاهز لأن تعيش بطريقتها فترتدى ما تشاء وقتما تشاء .
لست ضد حرية الفرد ، وأعلم أنه قد يكون اختيار الحقوقيين لمثل هذه النماذج باعتبارهم النخبة المثقفة التى تحرك المجتمع نحو التغيير ، لكن لابد أن نراعى أمور كثيرة منها عدم شخصنة القضايا ، ومراعاة التدرج فى طلب التغيير ، واحترام بعض القواعد التى تبدو ضد حرية الفرد بعض الشئ ولكنها لصالح المجتمع وهنا لابد أن نحافظ على مصلحة المجتمع التى هى أهم من الفرد ، ففى المثال السابق والخاصة بالأخت لبنى نجد تعليق عظيم للكاتب والمفكر السودانى الشهير الواثق كمير الذى أشار إلى أن قضية لبنى يمكن أن ينظر لها كمحرك لتغيبر القوانين ليس من أجل لبنى ولكن من أجل وحدة السودان الذى يحكم شماله بالأحكام الشرعية ويحكم جنوبه بغير ذلك ، فأعتقد أن هذا السياق الوحيد الذى يمكن أن نقبل فيه خروج كل هذه التقارير لحادثة عادية ومتعارف عليها فى المجتمع السودانى ، وخروج الأحزاب السياسية والمنظات الحقوقية ، كل هذا أتوقعه أفضل لو كان مقدم بشكل منظم وبعيد عن قضية بعينها ، يفقد قيمته أمام الكثيرين حينما يصبح قضية شخصية حتى لو إعتبرناها نموذج يعبرون من خلاله ..
أتمنى أن أرى الحقوقيين من ذوى اللياقات البيضاء وهم يدافعون عن قضية عامة ، تقوم على الحاجات الأساسية للجموع ، أتمنى أن ينظروا للوجهة الأخرى من حق الإنسان ، فإذا كان هناك مُلقى لابد أن يحصل على حقوقه فى حرية التعبير فليس من العدل أن ننسى حرية المتلقى فى الحفاظ على قيمه وقواعده الأساسية التى تربى عليها وأصبحت محركات ضرورية حتى لو كانت ضده فهو يحتاج إلى وقت وجهد أكبر من مجرد لقاء إعلامى شيك نتحدث فيه عن حرية فلان أو شكوى فلانة .. أعتقد أنه لابد من وقفة من الحقوقيين مع أنفسهم ، على الأقل ليعرفوا لماذا لا تتلاحم معهم جموع الشعوب ويبقى من يحضر فاعليتهم قلة من الثقفين والرفيقة أم عطية .. لو حرص العاملين تحت مظلة حقوق الإنسان على الخروج من عباءة الغرب والرغبة الجامحة للحرية المطلقة بعيداً عن قيم ودين المجتمعات التى تعمل فيها ربما وجدت تأييد كبير ، وكان لها أثر أكبر من مجرد موجة قد يركبها البعض ليحقق منها مزايا شخصية ، بينما توجد لدى البعض نية خالصة للعمل الحقيقى ، بتمنى نخرج من فلسفة إنسف حمامك القديم التى تقوم على هدم القيم والعادات التى تقف ضد حرية الفرد ، لإن الهدم الذى لا تسبقه خطة واضحة للبناء واستراتجية منظمة للإحلال سيؤدى فى النهاية لخراب لا أحد فينا يتوقع أين ستقف نتائجه فهل سنصل بالحرية لإن كل واحد يعمل اللى هو عايزه ؟!!
فى النهاية لدى معتقد ذاتى .. بأن أى شئ يقوم على نية مخلصة لتحقيق منفعة عامة بعيداً عن أى مصالح شخصية سيصل للجميع لا محالة ، فلنسأل أنفسنا جميعاً هل نقوم على عملنا بإخلاص .. طبعاً هذا حديث عام أقصد به أبطال مقالتى ، وأقصد به القارئ سواء مع طريقة التعامل على حقوق الإنسان من جهة الحقوقيين أو ضدها .
اللهم بلغت اللهم فاشهد