جاءت لى هذه الجمعة بإجازة غير متوقعة ، فمنذ فترة لا يكون يوم الجمعة بالنسبة لى يوم إجازة كاملة ، وأكتفى فقط بليلة الخميس فأقضيها فى معظم الأحيان فى نشاط لطيف مع الأصدقاء أو مع صوت الجميلة فيروز فى شحنة مكثفة أو بحسب التساهيل ، المهم أن يكون وقت ممتع أفرغ فيه شحنة الأسبوع .. أردت أن استغل يوم الاجازة لأتحدث مع واحدة من صديقاتى حول بعض الأمور التي تشغلنا ، وجاءت جلستنا بعدد من الموضوعات توقفنا في جزء منها عند العمل الإبداعى العظيم للدكتور يوسفزيدان ( عزازيل )ذلك العمل الذي وصفه عدد كبير من القراء وعدد من أعلام النخبة المثقفة بأنه العمل الأفضل منذ ما يقرب من نصف قرن وقيل فيه .. وقيل فيه .. وقيل فيه ..
ومثل كثير من الأعمال المتميزة أحدث العمل ضجة نظراً لتناوله لبعض الجوانب فى ماهية الأديان وهو أمر نحن لم ننضج بالدرجة الكافية لنقبل النقاش فيه ، فأحدث العمل لدى البعض مجموعة من الصراعات واستخدم فى محاولات لإحداث بعض الفتن الدينية ، لذا لن أتناول هنا موضوع العمل نفسه ، فهناك من هم أكثر تأهلاً منى للخوض فى هذا الإطار وسبر أغواره .
أما حديثى عنه فسيكون من زاوية أخرى وهى تتعلق (بطريقة) تناوليوسف زيدان للعمل ، وهو أكثر ما جذب الكثيرين للعمل والإقبال عليه ، فقد لا يكون موضوع العمل من اهتماماتك الشخصية فى القراءة ، ولكنك حينما تُقبل عليه لقراءته سوف يأخذك بقوة غير مسبوقة لتكمله رغم دسامة ما يعرضه الكاتب من أفكار ، فالعمل لا يتحدث عن موضوع – روش – ولا فكرة من تلك التي تجذب الشباب فى وقتنا الحالي ، إلا أن حرفية الكاتب جعلت منه محطة يُقبل عليها الشباب .
وماأريدأنألفتالنظرإليههو: أننانتهمالشباب دائماً بالسطحية ، والبعد عن النواحي العلمية، وانخفاض قيمة العلم لدى الشباب ، وعدم الإقبال على قراءة الموضوعات الجادة ... وغيرها من اللإتهامات ، التي أعتبرها حقيقة لكن لا يتحمل وزرها الشباب وحدهم بل يتحمل وزرها معهم من يقدمون لهم الأعمال العلمية ، ويعتبرون أن قوتها فى عرضها بطريقة غليظة أو باستخدام ألفاظ لا يعرفها سوى المتخصصين ، وكلما زادت الكلمات صعوبة وبُعد عن الكلمات المعروفة كان ذلك دليلاً على قيمة العمل (العلمي) ، وكأننا قررنا أن نفصل بين الشعب والعلم ليظل حكراً على نخبة معينة باصطلاحاته ومفاهيمه و (جعلصة) أسلوب عارضيه .
فإذا ما فكرت ان تحضرجلسةعلم ، فسوف تستمع لكلمات من قبيل : البعد البراجماتى للأسلوب الميكافيلى الذى يقوم على الإعلاء بالأنا ضرباً لأيديولوجية وجود الأخر كبعد حقيقى فى مقابل وجود الذات كبعد متخيل ، وسيطرة الأنية على مصير الأخر فى إبتعاد وحشى عن الطبيعة الوجودية للفرد ككائن فى جماعة تكون الجحيم أو يكون وجوداً فى حضرتها !!!!
إوعو تكونوا فهمتوا حاجة .. ببساطة .. كتير من الكلام ده استمعنا له فى محاضراتنا حين كنا ندرس الفرق بين الأخر لدى هيجيلوالأخر فى المدرسة التحليلية الفرنسية الجديدة لجاك لاكان والتى خرجت عن فرويد فى تناوله للإنسان !!!
وطبعاً لدى سيادتكم الكثير من مثل هذه المعالجات قابلتوها حين جلستم فى جلسة علم ، فكما اتفقنا عايز تعرف إنه علم عليك وعلى الكلمات (المجعلصة) الصارمة ، وإلا فإن تقييم مادتك لن يكون ذا قيمة!!! ويصبح العلم جعلصة مش توصيل فكرة ..
أقول ذلك لأن أكثر ما جذبنى وجذب الكثيرين فى عزازيل هو تناول أمور علمية شديدة العمق بأسلوب متأدب وراقى للغاية ، لدرجة تُدخل عليك الشعور بالمتعة فتفرد ساقيك وتتكئ وكانك تقرأ قصة عاطفية ، تدخل فيها بكلك ، فتجد لعقلك مكان ولمشاعرك مكان ولخيالك مكان ، لا تملك أن تثور على مفردة وتتوقف عندها كثيراً لأنك لا تفهمها ، فالعمل نسيج إذا لم تكن هناك مفردة منه فى قاموسك اللغوي فسوف تجد تفسير لها فى الجملة يجعلك تضيفها إلى معجمك ..
والعجيب فى الأمر أنها لغة عربية لا تعتمد على العامية ، ومع ذلك ترى فيها جمال غير عادى فى نقل المعلومات العلمية التي تحتاج لإعمال العقل ، ولما لا ؟!! وكل من العقل والمشاعر يعتملا داخل الإنسان فى سيمفونية واحدة يعزفها الشخص فتظهر فى سلوكه لتعبر عن فرديته وتميزه ليصبح كل انسان بصمة فريدة بهذا المزيج بين عقله وقلبه أو مشاعره ..
إذن .. الشباب لديه الطاقة للمعرفة وقراءة الأعمال العلمية ، وليس بلغة (بحبكياحمار) ولا بلغة (بوسالواوا) التي نتهمهمدائماًبأنهملميعدوا قادرين على فهم غيرها !!
الشباب عاوز حد يكتب له العلم بصورة يتمكن فيها من فهمه ثم تطبيقه علىالواقع ، يحتاج أن يتعب الكُتاب ليحققوا المعادلة التى لا أعتقد أنها صعبة بين الفكرة العلمية وتوصيلها بأسلوب أدبى بسيط يعين على فهمها ، بطريقة نرفعهم بها مما نرى الكثير من المجالات حولهم تأخذهم له ، وفى نفس الوقت نحدثهم بلغة يستطيعون فهمها ، فقيمة العلم فى قدرة صاحبه على توصيله .
ولو ظللنا نكرر ( الشباب عاوز كده ) إشارة إلى كل عمل مُسف ، وتناول قاصر لبعض الحقائق فى حين يظل أهل العلم منغلقين على أنفسهم وكأنهم فى برج عاجى يفصلهم عن هؤلاء فسوف تظل الفجوة كبيرة بين ما يريده الشباب – رغماً عنهم لسهولته – وبين ما يضعه العلماء من لغة جامدة لا يجيدها سواهم .
التعليقات حول الموضوع
2- الشباب صهيب سحويل - 2010-05-21 17:56:20 كلامك صحيح شو ما فى انسانية الى هذه الدرجة وصلت اغنية بحبك يا حمار ما هذا الاستهتار فعلا شىء مؤسف جدا ربنا يصلح حالهم1- شكر خاص هيباباتيا - 2009-10-11 07:33:18 ده مش اسمي ده اسم احدى شخصيات الرواية التي خلبت عقلي لشدة جمالها على كافة المستويات ....شكر خاص للدكتورة داليا لتناولها موضوع عن هذا العمل الرائع و لو من بعيد