قد يبدو أنه حديث متكرر ، فقد سمعنا عنه فى الدين وسمعنا عنه من عدد كبير من كبار المتخصصين الذين علموننى شخصياً وتدربت على يدهم فى مجال الإرشاد الزوجى بوجهٍ خاص والإرشاد النفسي والتعامل مع المشكلات النفسية بوجهٍ عام .
إلا أني أجدنى مضطرة لتوضيح الأمر أو لزيادة الكتابة فيه حينما يزداد عدد المتضررين نتيجة لغياب الكتابة عنه أو قدمها أو تطور بعض المفاهيم بما يزعزع ما كان ثابت ..
إيه الحكاية ؟؟ الحكاية أن هناك زيادة مضطردة فى نسب الطلاق ،التى تجعلنا كمتخصصين –وباعتبار الزواج والأسرة هى أساس عمار الكون – نسعى سعياً جاداً وراء كل تفسير يمكن أن يساعدنا فى فهم هذه الظاهرة التى تتزايد كل يوم عن سابقه ، وفى كل مرة أسعى لتناول بُعد ما حينما تأتينى استشارات سواء قبل أو بعد الطلاق ويكون هذا البُعد هو السبب الرئيسي فيها ، واليوم أتحدث عن التكافؤ بين الزوجين ، الذي غاب فى عدد ليس بقليل من الحالات التى عرضت عليِ مشكلاتها الزواجية خلال الفترة القصيرة الماضية وحتى يوم أمس .
فمع تداخل بعض المفاهيم وسيطرة فهم خاطئ لبعض النصوص الدينية أصبح الأمر فى حاجة إلى وقفة ، فالزوجين شخصين يعيشا معاً على قلب رجل واحد ، يتقاسما – كما أشير دائماً – روح الحياة ومسارها على كافة المستويات ، ليصبح لهما لغةواحدة ، سواء على المستوى اللفظى أو على المستوى العقلى أو على المستوى الوجدانى أو على المستوى الجسدى ، ولعل هذا ما يجعل كلاهما يفقد التوازن لدرجة قد تطول أو تقصر بعد الإنفصال حتى لو كان كلاهما يرى أنه أفضل الحلول .
وإذا كان الأمر كذلك ، وأحد ضمانات استمرار الحياة هو الوصول لهذه الحالة من اللغة الواحدة التى تحدثنا عنها ، فلابد من البداية أن يكون هناك توجهات واحدة أو أساس واحد ننطلق منه لجمع النقاط المشتركة ونظل نُعلى فيها حتى تصبح هي العلامة المميزة ويستطيع كل منا أن يدخل فى حالة إيثار الذات لأنه متأكد من أن الأخر يقوم بها أيضاً فى أمور أخرى لنرفع أسهم الإتفاق ونستطيع أن نقدم نفسنا للأخر بأننا أسرة فلان ، فنتنازل تنازل حر وعن طيب خاطر عن فرداويتنا ، ونقبل (بألف)الجماعة على حساب (ياء) الفردالمتكلم .
وفى غياب هذا التوافق خاصة فى الفروق القوية وغياب العاطفة وحين يكون الزواج زواج صالونات مع هذه الفروق فإن كلٍ منا يقف مترصد للأخر مهما إجتهد ، ويعلو صوت الإختلاف على صوت الإتفاق ، ويعلو المختلف عن المشترك ، ونبقى عيون بدلاً من أن تعضد بعضها البعض نتحول إلى عيون تكشف ( عوار ) بعض .
فنجد رجل يأخذ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين وصف الصفات التى تنكح لها المرأة فيتزوج من إمرأة شديدة الثراء بينما هو من أسرة شديدة الفقر ، ولأن الفقر والغنى ثقافة وليسا مجرد توصيف إقتصادى تبدأ المشكلات داخلية – بين الفرد وذاته - قبل أن تكون خارجية ، فكل كلمة تقولها يعتبرها نيل منه لأنه لا يملك ، أو محاولة لكسر رجولته ، أو رغبة فى فرض السيطرة حتى لو كانت الزوجة لا تعنيها ، فيبدأ هنا كمن يجلس لشخص بالمرصاد ليرى عينه وهو يتكلم ، ويرى طريقته ، التى ربما تمر الأمور ولا حتى نتوقف عندها لولا أن الشعور داخلى بوجود خلل يتم تفسير كل الأمور من خلاله.
وهذا الذى يُقبل على زواج إمرأة لحسبها ، فينضم بزواجه أو تنضم هى بزواجها إلى عائلة ذات مواصفات معينة ، وتظل طول الوقت تشعر بنقص داخلى لا لكونها ليست جميلة أو على درجة أقل من التعليم ولا أن أهلها يعيبهم شئ ، ولكن لكونها ترى نفسها غريبة عن هذا الإطار، لاتجد لنفسها مكان وبالطبع يزداد الأمر صعوبة إذا كانت الشخصية نفسها تعانى من النقص الداخلى فإن أى أمر يحدث إنما يثير لديها بركان نفسي تظهره على نفسها وتظهره على من يشاركها الحياة فيدفع وتدفع ، ويبقى كلاهما على سطح ساخن .
وإذا قسنا على ذلك كل الفروق سنجد أنفسنا أمام حقيقة واقعة ، وهى أن التكافؤ يجعل كلا الطرفين فى راحة أكبر ، ويدعم فكرة اللغة المشتركة ، خاصة أننا لم نعد فى عصر محمد صلى الله عليه وسلم وخديجة رضى الله عنها ، وظروف العصر ومتغيراته ، وتغير نفسيات البشر من حولنا ومعاييرهم وطرق قياسهم أمور يجب أن نأخذها فى الإعتبار .
صحيح الحب والعاطفة القوية يمكن أن تقلل من حدة الفجوة ، وتجعل كل طرف مستعد إلى أن يدفع المزيد حتى يقترب من مساحة الأخر لينتهى الأمر بأن تضمهم مساحة واحدة ، لكن ذا يحدث فقط فى العاطفة القوية التى لم تعد تروق للكثيرين ، فلكى يستطيع أياً من الزوجين أن يتخطى الحاجز النفسي الداخلى فى حالة الفروق الكبيرة لابد أن يكون لديه معامل حب وعاطفة ناحية الطرف الأخر تغطى هذه الفجوة التى تنتج عن الفرق وتكسوها بحيث لا تكاد تكون ظاهرة فإذا ما رأيتهما ربما لا تدرك الفرق بينهما لصالح مَنْ !!!
وهنا أشير إلى ضرورة الحرص على قدر من التوافق على كافة المستويات فلم نعد فى عصر الأنبياء ولا الصحابة فنكون (بنشترى) راجل أو (بنشترى) أخلاق المرأة بالدرجة التى تجعلنا نتنازل عن أمور أخرى لأنه حتى لو قَبِل الطرف الذى إشترى فإن المشكلة تبقى عند الطرف الذى باع فيظل يبحث عن ثمن أخر يسعى الطرف الأول للحصول منه عليه لتتساوى كفتى الميزان ، فيرى الرجل الأقل مال من زوجته إنها ستسعى من خلال أى تصرف تفعله فى هفوة منها بأنه تريد تهميشه أو يبحث لها عن نقيصة ليعيش حالة من السلم ، وتبحث من هى أقل حسباً من الرجل عن ثمن أخر يريد أن يدفعها إياه مثل أنه يريدها خادمة وأم للولاد ويعيش هو حياته ليكتمل منظر العيلة .. وهكذا
جميعها مواقف نعيشها مع من يقدمون لنا إستشارة فى شؤنهم ، ونرى فيها مدى المحاولات الجاهدة من الطرف الأقل لأن يجد ما يشين الطرف الأخر الذى من المفترض أنه قَبل الإتفاق من البداية ، وفى رحلته هذه مسكين يظل مُثبت على النواقص مما يشيع تلك الحالة المعهودة من التعاسة أو اللامبالاة أو إيجاد حياة أخرى سواء متخيلة أو ما أطلقت عليه فى مقال سابق (روأة) أو كيس المولتو لتكون متنفس لما يعانيه ..
وللأسف فى كثير من الأحيان خراب بيوت ، واللاحياة ، او الطلاق النفسي بين اثنين كل ما يجمعها الموت الأصغر أو النوم .
حفظ الله لكم بيوتكم ..
التعليقات حول الموضوع
4- المسلم مسلم في كل عصر لخضر بن رابح - 2009-12-16 17:44:38 السيدة المحترمة داليا دائما تطرح مواضيح جد مثيرة للنقاش فالتقارب الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين زوجي المستقبل له دور ايجابي في تماسك الاسرة وثباتها ولكن دلك لا يعني ان نرجع مشكلة الطلاق والتفكك الاسري الى هده الاسباب فالرسول صلى الله عليه وسله قال: ادا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ونتيجة المخالفة لدلك وخيمة على المجتمع ضف الى دلك ان التقيد بمعيار الاستادة تجعل من الزواج دعوى الى تقسيم المجتمع الى فيئات وهدا من وجهة نظر ي خطا واللسبب كما اراه ان الله خلقنا جنسين متمايزين ولكل استعداداته ومؤهلاته التي من اجلها خلق فادا قام بما يتوجب عليه ولم يتعدى حدوده واحترم خصائص وخصوصيات الطرف الاخر فان دلك من شانه ان يجلب الستقرار والثبات للاسرة وادا حصل العكس فان نتيجته ما يجنيه المجدتمع الاسلامي اليوم .3- ياريت توعي بكل مصاب مجتمعنا ايناس الخطيب - 2009-12-14 12:57:01 بصراحة موضوع مميز جدا وخاصة انه صارت ظاهرة اجتماعية بنعانى منها لهيك ياريت يكون عنا وعى وادراك حول موضوع التكافو في الزواج وخلق اجواء من التفاهم والانسجام للتقليل من ظاهرة الطلاق2- مجلس أعلى للأسره إبراهيم بن عبدالعزيز الدامغ - 2009-11-16 13:11:57 نحن بأمس الحاجه إلى إنشاء مجلس أعلى للأسره للرجل والمرأه والطفل وكبار السن للإشراف على شؤون الاسره باعتبارها نواة المجتمع .آمل من المرأه أن ترفع صوتها للمطالبه بإنشاء مجلس أعلى للأسرهوتقبلي فائق تحياتي1- kalam gamil moahmed_nemo - 2009-11-07 15:47:34 جزاكى الله خيرا يا دكتوره داليا كلام منطقى ومقنع