بداية أنوه(أن الموضوع لا يعدو كونه تجربة خاصة جداً ومحاولة لفحص معانى أغنية أحبها) فربما يتعجب البعض من موضوع كتابتى اليوم ، وربما لايحدث ذلك لدى من يتابعون ما أكتب عن قرب ومعرفة ومتابعة متعمقة لما أتناوله فى موضوعاتى ،فالعنوان يشير إلى أغنية لفيروز العظيمة ، فبين كوارث بيئية من قبيل انفلونزا الطيور والخنازير ، وكوارث بشرية من قبيل إحتراق قطارات أو انقلابها ، وبين أزمات يعيشها المجتمع العربى من حصار للقدس وتفتت الوحدة العربية فى محاولات دؤبة لرئاسة العالم العربى على حساب أى شئ ، وبين خلافات بين البشر تصل للتشهير والخوض فى الأعراض ، وبين صلات دول ربما تهزها مباراة كرة ، وبين .. وبين .. وبين .....................الخ
لابد أن يكون هناك أمر مختلف ، واحة نذهب لها فنرتاح ولو لبعض الوقت ، تخلق فينا الحلم ، والأمل ، تخرجنا من عالم تخنقنا فيه عوادم البشر وليس السيارات فقط ، تخنقنا فيه كلمات تؤذى آذاننا ، تخنقنا فيه وجوه لا نكاد نحفظها من كثرة تغيرها بين لحظة وأخرى تحت نفس المسمى ، تخرجنا لحالة مؤقتة ربما تساعدنا على العودة مرة ثانية لتحمل هذه الإختناقات وإلا قدمنا استقالتنا من الحياة الإنسانية ، من بين هذه الأشياء التى تؤدى بى إلى هذه الحالة ، وتخرجنى من عالم الكوارث والأزمات صوت العظيمة فيروز ، الذى يؤثر فى حالتى النفسية والمزاجية بدرجة كبيرة فربما أشعر للحظات بخروجى عن نطاق العالم وربما تحليقى فى السماء ، وإسمحوا لى لن أصف شعورى بدقة لأنه يحتاج منى الكثير مما قد لا يراه البعض مفيداً ، وأراه أمر غريب أكرر بعده سبحان الله ...
وإذا كان هذا العالم عندى يُخلق بصوت فيروز فربما يُخلق لدى كل واحد من حضراتكم تحت تأثير معين ، فقد يدخل فى هذا العالم وهو يسمع صوت أخر ، أو وهو يشاهد فيلماً ما ، أو وهو يجلس مع أطفاله ، أو وهو يتأمل السماء ، المهم أنها حالة عظيمة لابد أن تتعرف عليها وتدركها جيداً حتى تذهب لها بإرادة حرة حينما تضيق بك الحياة فتؤدى صلاتك ودعاءك للخالق ، ثم ربما تذهب إلى واحدة من هذه الواحات التى قد تريحك وتدخل عليك بعض السعادة وتحلق بك فى هذا العالم المُتخيل بما أن العالم الواقعى فى كثير منه محبط والوجوه الواقعية فى كثير منها ماسكات ملونة بقدرات عالية من الإبداع حتى لا تكاد تستطيع تمييزها عن الأصل ..
وما أريد أن أعرضه بعد هذه المقدمة الطويلة هو إحدى أغنيات قيثارة الشرق وصوت السماء فيروز وهى أغنية (شادى) وبالطبع لها عندى ذكرى مثلها مثل باقى الإغنيات التى نحفظها بذكرياتها فى عقولنا فيكون وجودها بمثابة منبه لهذه الذكرى ، وسوف أتطرق لأغنية شادى من حيث بعض ما ورد فيها فى صورة تحليل لألفاظها ومعانيها ، ولكنى أولاً أوجه التحية لشركائى فى الذكرى وهما الزميلين دكتور مأمونالمبيض ، والأستاذ باسمحمدى ، وهما من تشرفت بمشاركتهما فى تقديم الدعم النفسي للإخوة الفلسطينيين فى أزمة مخيم نهر البارد عام 2007 بارك الله عملهما وأبدأ فى سرد قصة تحليل الأغنية :
كنا نذهب فى الصباح الباكر وغالباً وقت نزول المطر ربما فى السادسة والنصف صباحاً متجهين من بيروت إلى مخيم البداوى مكان إقامة إخواننا الفلسطينيين النازحين من نهر البارد إلى البداوى ونظل فى المخيم لتقديم الدعم النفسي أنا وأخى دكتور مأمون وهو طبيب سورى ولكنه حاصل على الجنسية الأيرلندية ومقيم فيها ما يزيد عن 15 عاماً تقريباً ، وكان الأستاذ باسم هو المشرف الإدارى للرحلة ، وفى الحقيقة كان الجو هناك فى شدة القسوة ، سواء من حيث الظروف الجوية أو من حيث ما رأيناه لدى إخواننا الفلسطينيين ، فكل منهم يحمل كارثة حقيقية يعيشها ، ونظل معهم فى جلسات طوال النهار ونترك المخيم الذى يعيش أسوأ ظروف من حيث كل الخدمات وننزل فى قرابة السابعة بعد أن نكون استمعنا إلى عشرات القصص متجهين إلى بيروت لنتناول غداءنا ثم إن كان فينا ماتبقى ربما نجلس لنجهز لليوم التالى أو نعطى بعضنا بعض التقارير عن الحالات التى رأيناها .
وربما خوفاً من هذه الحالة الشديدة القسوة علينا كنا نسعى لعمل أى شئ فى الصباح يغير من المود العام لنا ، لنتحمل كفريق ما سنتابعه خلال اليوم على مدار 12 ساعة ، وربما كان الشئ الذى اتفقنا عليه جميعاً - ومعنا الأخ الذى كان يقود لنا السيارة يومياً - هو صوت فيروز ، وخاصة أغنية (شادى) التى كنا نكررها عشرات المرات على ذلك الطريق البارد الممطر حتى الوصول إلى المخيم لنبدأ رحلة إنسانية مختلفة .
وحينما بدأنا فى الإستماع لها ، بدأت مع زميلى دكتور مأمون نحلل كلمات الأغنية والمعانى التى تدور حولها ، وكيف تميز الأغنية فى هدوء بين طبيعة الرجل والمرأة ، ففى بدايتها تحكىفيروز عن شادى الذى يعبر عن ذكورته المبكرة بركوضه يتابع ما يحدث على أطراف الجبل ، بينما فيروز الطفلة الأنثى تخاف (وصار القتال يقرب ع التلال والدنيا دنى ، وعلقت ع أطراف الوادى شادى ركض يتفرج خفت وصرت إنده له ..........) فالطفلة التى تمثل خصائص الأنثى منذ نعومة أظافرها تأتى فى صف متأخر عن الطفل الذكر الذى يتميز بالمبادأة والإقبال ..
ثم فى جزء أخر تعبر السيدة فيروز عن رومانسية المرأة فى مشهدين تذكرهما واحدة تلو الأخرى ، ففى المشهد الأول تقول (انده له ما يسمعنى ويبعد يبعد بالوادى ومن يومتها ما عدت شوفته ، ضاع شادى ...) وهنا لم تتصور الأنثى الطفلة برومانسيتها التى هى سمة أصيلة لديها أن محبوبها يتأخر عن ندائها سوى لأنه لم يسمعها ، فلم تقل (لميردعلي) أو أى تعبير ينم عن عدم إهتمامه ، وكأن حب المرأة يبرر لمحبوبها فتجد أن تأخره عنها لا يكون إلا لعدم استماعه لندائها .
وفى المشهد الثانى الذى تدلل فيه فيروز عن رومانسية المرأة وتمسكها بخبراتها الوجدانية منذ طفولتها حينما تقول (والتلج إجا ، وراح التلج ، عشرين مرة إجا وراح التلج ، وأنا صرت إكبر وشادى بعده صغير عم يلعب ع التلج .. ع التلج ..) وهنا لم ترد الأنثى الطفلة أن تحسب غيابه بسنوات فتقول مرت 20 سنة ، ولكن إذا كان الثلج يأتى فى الشتاء فأهون عليها أن تقول ( عشرين مرة إجا وراح التلج ) وتعبيراً عن وفائها فإن شادى باقى لديها حتى مع غيابه ، فهو صورة ذهنية لم تمحى رغم السنوات ، تحتفظ له بصورة منذ غاب عنها وتصف ذلك بكونها ( أنا صرت إكبر وشادى بعده صغير عم يلعب ع التلج) فلم يختفى من ذهنها رغم السنوات وربما تنتظره حتى لو ظل ذكرى لغلام صغير كانت تلعب معه ..
فهل أجمل من ذلك طريقة لتوضيح فروق بين الذكور والإناث فى المهارات الإجتماعية والتعامل مع الخبرات الوجدانية والعاطفية؟!! ..
فستبقى المرأة إمرأة مهما فعلت لأنها مفطورة على ذلك ، ويبقى الرجل رجل مهما فعل لأنه مفطور على ذلك أيضاً ..
لقد قمت بعمل ذلك مع عدد من أغانى فيروز الجميلة ، ووجدت الكثير من المعانى التى أمتعتنى أكثر بما تغنى ..
تحية لصوتها الرائع ، وتحية لذكرياتى مع أغنياتها ومنها شادى ، وتحية لأهل المخيمات الفلسطينية ، وزملائى دكتور مأمون والأستاذ باسم ، وكذلك الأستاذة الصحفية علياء ماضى التى جعلتنى أتجرأ فى نشر واحد من هذه الموضوعات التى كثيراً ما أكتبها لنفسي حينما أهدتنى اليوم أغنية شادى عبر الإنترنت ..
التعليقات حول الموضوع
3- fairouz nassima - 2010-06-22 20:19:29 Fairouz est la première chanteuse est la plus grande par excélence...Je l'adore.2- صباح الخير نجلاء - 2009-11-14 10:54:34 صديقتي الغالية داليا تحية خاصة جداً على هذا المقال الرائع و أنا اعتبر اغنية شادي من أغاني الذكريات فكانت أمي شفاها الله تغنيها لي و أنا في الرابعة من عمري و نقضي ساعات طويلة في غرفتها نضع شرائط المسجل ( كانت على شكل بكرات يتم تركيبها قبل شرائط الكاسيت) تغني و أنا استمع لها و شادي لها تأثير خاص في نفسي و لا أدري هل لمعانيها أم لذكراها عندي و تحديداً تلك الجملة الحزينة عن الثلج الذي راح و جاء عشرون مرة .....تحية مرة أخرى على المقال الجميل1- ذكريات من أروع أيام حياتي باسم حمدي - 2009-11-14 10:23:23 شكرا د. داليا على هذا التحليل الرايع وشكرا د. مأمون على الصحبة الطيبةذكريات من أروع أيام حياني ليتها تعود .. بس أنت متأكده أنك مش ناسيه حد ؟؟