ننخدع في أشخاص كثيراً ، ونُصدم في مشاعرنا ناحية أشخاص كثيراً، ونتوصل إلى أننا أسأنا الإختيار كثيراً، إلا أن أهم ما يؤرقنا هو أن من غدر بنا أو خدعنا أو تأكدنا من أنه كان إختياراً غير صحيحاً يبقى داخلنا، يداعب مشاعرنا ، ويفرض نفسه على العديد من مواقف حياتنا رغم قرارنا النهائي بالبعد - إختياراً أو إكراهاً - ورغم تصميمنا على أن نُمحيه من داخلنا، ورغم أن مشاهد غدره بنا أو دلائل خيانته أصبحت أيضاً جزء من المشاهد المتكررة أمام أعيننا ...
شكوى شائعة بين الناس حينما يخرجون من علاقة حب ، صداقة، أو أي حالة أعطوا فيها لأخر ثم لم يجدوا منه ما يقابل هذا العطاء، أو ربما وجدوا منه ما لا يتناسب مع ما أعطوه، ويكونوا بذلك مؤهلين أو متوقعين أن تختفي المشاعر الإيجابية التي كانت موجهه لهذا الشخص نتيجة أفعاله، ومتوقعين أيضاً أن تختفي صورته والمواقف التي مروا بها معه من الذاكرة على أن يحل محلها الأشياء السلبية أو العوامل التي أدت إلى إنهاء العلاقة أو حتى لا شئ، بحيث يذهب هذا الشخص وما كان يمثله من حياتنا وأفكارنا .
إلا أن هذا لا يحدث، وتبقى للشخص داخل من أحبه مواقف لا تُنسى أو خبرات محفورة لدى المُحب، وهذا ما يؤلم الأشخاص ربما بقدر مساوي لألم الفراق، بحيث يرى الشخص نفسه غبياً أن يُبقي عقله على جزء من الخبرات والمواقف مع هذا الشخص، يتعذب كثيراً في محوها، وربما يكتئب لعدم قدرته على ذلك، ونجد الشكوى تتكرر في كلمات مثل( النسيان صعب) (أنا شخص غبي مش عارف أتخلص ممن أذاني) (أنا أكيد مريض) وفي بعض الأحيان ولدى بعض الثقافات نرى البعض يفسر ذلك بالسحر الذي عمله الحبيب الغادر لمن أحبه حتى لا ينساه ولا يعرف غيره ، وهناك تفسير ثالث ربما يرضي عدد كبير من البشر وهو الذي يتضمن (اللى يحب عمره ما يكره) لنهدأ ونعتبرها تفسير كافي لكوننا لا ننسى هذا الشخص رغم غدره أو إساءته إلينا .
والحقيقة .. إن التفسير الأكثر قبولاً من الناحية العلمية، هو أن الإنسان (السوي) وأكرر (السوي) لا يستطيع أن يحب شخص يؤذيه سواء على مستوى المشاعر أو غيرها، فالحب كائن مثل أي كائن يحتاج لمن يرويه ويهتم به ليبقى على قيد الحياة يتنفس ويعبر عن وجوده ويزدهر ويُزهر في موسم مُعين ليراه الجميع يفرض نفسه على حديقة حياة كل من المتحابين.
وبالتالي لا بقاء لحب يرويه شخص واحد، ولا بقاء لحب لا يلقى العناية المطلوبة، فهذا الكائن كالإنسان الذي لا يستطيع أن يبقى واقفاً على قدم واحدة لفترة طويلة، لإنه خُلق ليبقى على قدمين أو ساقين يتبادلا معاً ليحركا هذا الكائن لينمو، فكل نمو يحتاج لحركة، يحتاج لإنتقال، وبالتالي لا يمكن أن يكمل حياته على قدم واحدة.
وهنا نتوقع بل نكون على يقين من أن أى حب لا يرعاه الطرفين يموت، مهما كانت نوايا أحد الطرفين مخلصة تمام الإخلاص لإبقائه على قيد الحياة، فإذا كان الأمر كذلك ، فماذا يحدث؟!! ولماذا يبقى أشخاص أساؤا لنا داخلنا؟!! لماذا يبقى شركاء الحب الذين تأكدنا من عدم صدقهم في العناية به ؟!!
الذكريات .. نعم .. إن ما يتبقى من الأخر – لدى الفرد السوي- الذكريات، والذكريات ملكية خاصة بكل شخص، بمعنى أننى حينما أحب شخص وأتعايش معه لفترة يحدث بيننا مواقف مشتركة، أقوم انا بتخزينها لتصبح جزءاً من كياني وتكويني، جزءاً من تاريخي الشخصي، جزء من مخزون خبراتي التي تفرحني وتُبكيني ، فإذا ما تذكرت المحبوب الذي إنفصلت عنه في خبرة ما سابقه جمعتني به، فأنا هنا في الحقيقة لا أتذكره، ولكني اتذكر واحدة من خبراتي التي مهما إجتهدت لن تُمحى، لأنها جزء مني وأنا جزء منها، وما يحدث في أي محاولة يغيب فيها المحبوب عن ذاكرتي، يرجع فقط إلى أن هناك خبرة حديثة على وجوده أصبح لها الأولوية عندي، وهو ما يُفسره البعض بفكرة ( داوي الهوا بهوا) أو حب جديد يمحو الحب القديم، فالأمر ليس كذلك تحديداً لكن ما يحدث أن الخبرات الجديدة مع الشخص الجديد تطرح نفسها بقوة على أولويات الذاكرة فتتراجع الخبرات السابقة عن الإلحاح على الذاكرة .
إذن ... لا داعي للقلق، فما يتبقى من المحبوب الذي أساء لحبك له هو فقط جزء يخصك أنت يتعلق بأول مرة تدخل فيها هذه الحديقة أو هذا المطعم أو إستخدمت فيه هذه الرسالة أو ضبطت ساعتك لوقت إستيقاظه أو ... جميعها خبرات ملكك تتحرك داخلك بحرية باعتبارها جزء منك مثل طفولتك التي تتذكر الكثير منها، وغيرها من المراحل .
أما عن المشاعر المصاحبة لهذه الخبرات وتكرارها فإن من أفضال الله علينا أنها تقل مرة عن الأخرى، إلا أن ربما أكثر ما يُبقيها لهو الحرص الشديد على عدم تذكرها بالمرة، فينتهز اللاشعور – لا أحب إصطلاح العقل اللاواعي فهي كلمة غير علمية فكلمة العقل تعني السيطرة ولا يمكن أن نقرنها بكلمة غير الواعي- فرصة إنخفاض قدرات ميكانيزمات الأنا أو إنخفاض مقاومة الإنسان لأي سبب وتبدأ في السيطرة عليه بشكل كبير، تماماً مثل أي مرض أو جرح لا تُعالجه، فإنه يؤلمك مع أي إحتكاك بسيط أو حركة عشوائية منك مهما كانت بسيطة فنجده يُعلن عن نفسه بمنتهى القوة ، وتظل أنت تحت رحمته، لا تعرف متى سيظهر لك ليعلن عليك حربه وقتما تكون غير مستعد لمجابهته.
لذاأكرر .. لا تقلق، وواجه ذكرياتك، صحيح في المرة الاولى ستكون مؤلمة، وفي الثانية أقل ألماً ، وفي الثالثة ستصفها بأنها غير لطيفة، وفي الرابعة ربما لن تلقي لها بالاً ، وفي الخامسة ربما تضحك عليها، وفي السابعة قد تمر عليك وأنت تُجهز لنفسك كوباً من الشاي لتستعد لقراءة كتاب إنتقيته لتغفو عيناك على كلماته، وفي الثامنة ستسأل نفسك عند إرتداءك لملابس الصباح فيما كنت تفكر قبل الكتاب وهنا .... ربما تفشل في تذكر ما هو الموقف الذي كنت تتذكره، لتُعلن الذاكرة عن إنشغالها بأشياء أخرى من قبيل إقتراب الإمتحان أو الترقية أو وقت تسليم مشروع أو إجراء أحد أفراد الأسرة لجراحة أو إنشغالك بعمل ضبط وزن أو بصديق جديد أو .............. ليُعلن المحبوب عن مغادرته للمشاعر المتعلقة بالخبرات وتبقى الخبرات وحدها مثلها مثل باقي الأمور التي قمنا بتخزينها بخبرات سلبية ثم أصبحنا نتحدث عنها وكأنها خبرات مجردة بعيدة عن المشاعر : فنقول يوم وفاة والدي عملت كذا .. دون بكاء .. ويوم عيد ميلادي كنت مع فلان هنا .. دون أي مشاعر نحو هذا الفلان ...
تعيشوا وتحبوا .. وتعيشوا وتهجروا .. لكن لا تقبلوا أن تظلوا تدفعوا لحب (مُعاق) يتحرك على قدم واحدة لإن النتيجة خطوات ضئيلة تجعله يموت واقفاً ولا حتى نستطيع أن نعتبره شهيداً نتشرف به أو نُبكيه .
التعليقات حول الموضوع
9- مرحباااا غريبه في الوطن - 2010-03-02 16:09:41 وشكرااا لالك كلامك كلو حكم وانا بحب اقرئلك كتير لاني بستفيد كتير منك 8- مرحباااا غريبه في الوطن - 2010-03-02 16:08:27 كلامك كلو حكم وانا بحب اقرئلك كتير لاني بستفيد كتير منك 7- سلمت يداكى ناهد إمام - 2010-02-15 01:36:39 ازيك يا ست الكل يا جميلة الإستشاريين والمحللين النفسيين وفى قول آخر النفساويين، تسلم ايديكى وعقلك ، وهذا من أجمل ما قرأت لك ، هو فعلا حقيقي وعن تجربة تعرفينها ، أشكرك وإلى الأمام دوما6- رائع ايهاب الصياد - 2010-02-07 01:55:36 دكتورة داليا من أروع التحليلات النفسية التى قراتها فى حياتىمقال جميل لبساطة اسلوبه وعمق فكرته فى نفس الوقتبيشرح المشكلة وبيعالجهادايما بتفاجئينى بنظرة مختلفة للأمور ربنا يكرمك يا دكتورة وجزاكى الله كل خير5- القلب مازال يدق نور عزالدين - 2010-02-04 00:41:23 لا تقبلوا أن تظلوا تدفعوا لحب (مُعاق) يتحرك على قدم واحدة فإن النتيجة خطوات ضئيلة تجعله يموت واقفاً ولا حتى نستطيع أن نعتبره شهيداً فلا نبكيه . كلمات أكثر من رائعة الله يفتحها عليكى"ويعيننا على النسيان"4- مع وضد roze - 2010-02-03 21:16:57 كلامك عين العقل والمنطق با أستاذه ولكن أحبانا ما نقدر أن ننسى أو نتناسى الذكريات المؤلمه من هجران الحبيب أو الصديق لأن هذه الذكريات كل ما طرأت على البال ممكن أن تدفعك للامام وتقويك مثل ما يقولون ان الازمات تقوي الانسان وممكن العكس3- جميل جدا ًصفاء - 2010-02-03 15:08:19 كلام حضرتك جميل والله يادكتورة ومريح عشان فعلا كل الناس فاكره انها لازم تواجه الذكريات وتعاقب نفسها لو افتكرت اي موقف مرت بيه جزاكي الله خيرا2- Good hoda - 2010-02-03 11:17:15 كلامك في الجون يا دكتورة :D1- الحب راح.... بس الذكرياات ما بتروح inas - 2010-02-03 08:30:48 بجوز انا بختلف معك لان احنان ينكون الذكريات علاج لجروح داخليةة ومفتاح لامل جديد ممكن تاخد من التجربةوالعبرة لمرحلة جديدة علي حياتنا ومشان هيك كل تجربة ممكن قاعدة لقوة ومش لضغف