مضت أيام عديدة على عدم كتابتي لكم هنا على موقعي عين على بكرة الذي أعتبره بيتي الذي يشرفني أن أستضيفكم فيه، وعدم الكتابة بالطبع أمر يزعجني كثيراً ولا يعرف قدر هذا الإزعاج سوى شخص تعود أن يكتب ويناقش أفكاره في نطاق أوسع من رأسه ، وكان سبب الإنقطاع عن الكتابة هو الإنشغال بالسفر إلى لبنان – التي لازلت فيها لمدة يومين أخرين- وذلك لحضور مؤتمر جمعية التكافل لرعاية الطفل الفلسطيني والذي كان برعاية حضرة رئيس مجلس الوزراء اللبناني السيد سعد الحريري، وتعقيباً على هذا المؤتمر سوف أكتب لكم على عدة أجزاء في كل منها محطة أرغب في مناقشة مضمونها معكم، أو خاطرة أتت لي في وجودي هناك للمشاركة في المؤتمر ، وهنا إسمحوا لي أن أصطحبكم في المشهد الأول والذي عنونته بـ (هل من حق عدونا الإستهانة بنا).
وبالطبع أقصد هنا بالعدو .. العدو الإسرائيلي، أو غيره ممن يرون فينا – أقصد الوطن العربي- حالة ممكنة للتعدي أو النيل منا، وقد جاءتني الرغبة المُلحة في هذا السؤال حينما شاهدت الحضور في المؤتمر وقد أتوا من كل صوب وكل منهم يحمل رؤية ويحمل فكراً ويحمل تفهماً للماضي وسبلاً للتعاطي مع الحاضر واستراتيجية للمستقبل، فقد حضرت وفود من العراق ، فلسطين، الأردن،الإمارات ، مصر، الجزائر ، الكويت، السعودية، قطر، اليمن ، وغيرها من بلدان الوطن العربي إضافة إلى تمثيل عدد من الدول الغربية منها البرازيل والمكسيك وانجلترا وعدد أخر من تركيا و.. إلخ.
وكما ذكرت سأتحدث عن بلدان الوطن العربي الذي حينما تنظر لمجموعهم وتضع نفسك في مكان العدو تجد أنه من الصعوبة بمكان خرق هذه العقول أو التخطيط لمحوها، مما تحتاج معه إلى جهد مُضاعف إذا أرت النيل منه أو التأثير سلباً عليه، عقول واعية، بمفاهيم وخطط واضحة، عمل دؤوب، نماذج عقلية مرنة،مؤسسات شديدة التنظيم، دراسات تشير للواقع وتحدد ملامحه بدقة، ومع كل هذا ........... ما أسهل قرار العدو بمهاجمتك، ما أسهل النظر لنا باعتبارنا كيانات يمكن محوها ، أليس ذلك أمراً غريباً؟!!
إلا أن التاريخ عبر العصور يوضح لنا بمنتهى البساطة حل هذا اللغز بين قوة عظيمة لجمع من الناس وإستهانة بهم من أعدائهم، والإجابة في كلمة واحدة (الفُرقة) (التشتت) ( الإنقسام) ( التركيز على الإختلاف)، كلمات تعني في مُجملها الضعف والإستكانة، تعني أجزاء غير كاملة يمكن بسهولة القضاء عليها، تعني كيانات صغيرة يسهل تدميرها داخلياً دون صوت، تعني .. وتعني .. وتعني .
ورغم أننا نعرف الخلطة السرية – إن جاز التعبير- للهزيمة إلا أننا على مر العصور لا نراعيها، بل على العكس أعتقد أننا نُسهل دائماً مهمة عدونا، سواء كان ذلك بعدم وعي أو باصطياد بعضنا من أصحاب المصالح لنكون لهم أنصاراً نحقق ما يتمون في حالة غياب وعي لدى الكثيرين .
وللأسف ننجرف إلى ما يتم وضعه – عن وعي أو بدون- ونخلص وبشدة- كما هي عادتنا- في تنفيذ مخطط الفُرقة تحت مسميات مختلفة، مثل الهوية الثقافية، الطائفية، وغيرها من أمور تساعد على إحلال الفرقة بشكل مقبول ويمر على عقول الشعوب بل وربما يزيدون عليها من إجتهادهم .
قد يقول البعض أن ما أقوله أمر معروف ولا يحتاج إلى توضيح فالفُرقة دائماً تعني الخسارة وفي العُصبة كل القوة، أقول لهم أننا وللأسف أصبحنا في أزمان من كثرة حركتنا ننسى أو نتناسى بعض الأشياء التي نعتقد أنها محفورة في مفاهيمنا الأساسية ،لتأتي التصرفات والتحركات تقول غير ذلك، تقول أننا أصبحنا أميل إلى الفردية تحت إسم عبارات رنانة، أصبحنا أميل إلى الوحدوية – نسبة إلى البلد الواحد أو الفكر الواحد- فقد أثبتت كافة أزماتنا القريبة أننا كفرنا بالجمع، كفرنا بالوحدة، كفرنا بالعُصبة، ليكون كل منا صيد سهل لما يريد، ونبدأ نحن بثقافتنا المعهودة أو قل التي أصبحت معهودة في التعامل مع الأزمات والكوارث، أقصد (ثقافة إطفاء الحرائق) حينما تقع الكارثة لواحدة من دولنا نبدأ في التحرك من باب ( الوحدة) و (العُصبة) و (الوطن الواحد) و(الدين الواحد) ونجد لأنفسنا ألف كلمة تُشجع على هذا .
ويبقى السؤال مطروحاً أليس الأجدر بنا التأكيد على هذه الكلمات وفحواها في السلم قبل الحرب؟!! أليس الأجدر بنا أن نُربي الأجيال الجديدة على كل ما يجمعنا لا يفرقنا؟!! أليس الأجدر بالأجيال التي ستغادر حياتنا أن تُأصل لمفاهيم الوحدة والتقارب؟!! أليس الأجدر بتعليمنا أن يشير لدور كل منا للآخر؟!!
أسئلة كثيرة لاحقتني في مشاهدة هذه التوليفة العظيمة من كل البلدان العربية ومؤسساته الكبيرة بدايةً من جامعة الدول العربية ومؤسسة المؤتمر الإسلامي حتى عدد من المراكز البحثية والإغاثية بالعالم العربي مثل إتحاد الأطباء العرب من مصر، ومؤسسة إئتلاف الخير في السعودية، ومجلس الأسرة بالشارقة، ومؤسسة الأسرة والهلال الأحمر بقطر ، وغيرها من المؤسسات التي أقسم أنها لو تجمعت في السِلم لما كان هناك حرب ، فهل سنفيق؟!!