رأيتها بعد عدد من السنوات ربما أربع أو خمس سنوات مضت دون أن أراها، وبالتالي فقد توقفت صورتها في عقلي عند أخر مرة رأيتها فيها، فتاة في بداية العشرينات من عمرها حبوبة ، مرحة ، محترمة ، على قدر من الجمال الشكلي ، متدينة ، من أسرة كريمة ..
وبالصدفة البحتة رأيتها اليوم .. تبدو مختلفة بدرجة كبيرة ، وحادثتني نفسي لا يمكن أن يكون ذلك فعل الزمن فالسنوات الأربع أو الخمس لا يمكن أن تجعل منها شخصية باهتة مفتقدة لكل ما كانت تتميز به، صامتة ، شاردة ، تبدو ملامحها كمن زرع شئ وحصد غيره تماماً ..
بدأت أحدثها بما أراه ، فيبدو أنها لاحظت إستغراقي في رصد ملامحها – وهكذا هي عادة النساء للأسف ما نصدق .. وحب الإستطلاع فطرة لا ننجح كثيراً في وقفها ربنا يهدينا - وبادرتني بالسؤال :
قالت : تغيرت كثير ؟!!
رددت : آه !!!
صمتت لوقت .. شعرت بأنها مرت على ذكريات كثيرة وأعطى وجهها كل الملامح ثم قالت :
ممكن أقعد معاكي لوحدنا؟!
قلت : طبعاً .. قومي (هذه المرة ليس فضول النساء الذي دفعني ولكن فضول المهنة) !!
جلسنا وسأنقل حديثها كما هو وسأجتهد في نقل ألفاظها بمنتهى الأمانة مع الإعتذار لو إختلفت كلمة أو حذفت كلمة .. قالت " بصي مش عارفة أقولك غير إن حياتي إتسرقت مني ، مش عارفة أوصف إللي حصل غير بكده ... أنا إتجوزت من 3 سنوات وعندي بنت .. فلانة .. عندها سنة ونص .. "
قاطعتها وقلت : الحمدلله .. إنتي بتحبي الأطفال جدا ومن وقت ما كنتي بتدرسي كان نفسك يكون عندك طفلة .. ربنا يبارك لكي فيها ..
عادت للحديث ولكن بعد لحظات بكاء وقالت " تخيلي بقى أنا إللي كنت هموت على طفلة من صغري كنت بتمنى إنها ماتجيش ، ياريتها ماتت في بطني !! مين هيجوز بنت أبوها مدمن وبيبيع حاجة بيته عشان يجيب المخدرات؟!! مين يقول يسيبني أنا وبنتي دي في مكان مقطوع عشان ينزل قرب الفجر يجيب اللي بيطفحه ويرجعلي ربنا إللي يعلم بيه.. بكره كل يوم بيعدي عليا وأنا معاه .. بكره اللحظة إللي تستناها كل ست وهي في حضن جوزها .. بقيت بحس بأحاسيس وحشة أوي زي ما يكون ...................."
صمتت فترة لا شئ فيها سوى صوت بكائها الذي يحمل قدر كبير من الآهات .. وفرك يديها بعضها ببعض وكأنها تحاول أن تثبتها لكي تكمل الحديث .. ولكي أخفف من حدة هذه المرحلة سألتها : كيف تمت هذه الزيجة ؟؟
قالت " والله أنا إتسلقت !! تعرفي لما حد يكون عنده طابخة على وشك إنها تحمض فبسرعة يحطها ويقدمها ويزوقها ويحط جنبها شوية حاجات مُشهية عشان الناس تاكلها قبل ما ريحتها تفوح ؟!! هو ده إللي حصل معايا .. إتقدم لي جوزي ده وأهله الله لا يسامحهم وقالوا إنه كان شقي وربنا هداه .. وفعلاً سألنا عنه والناس قالت إنه شقي والبعض إمتنع عن إنه يقول أي حاجة .. وإعتبر أبويا كلامهم ده صراحة منهم ، وأكد عليهم هل كل شئ راح لحاله فقالوا أيوة ولو ماكانش كده ما كناش إتقدمنا لبنتك .. وبدأت العيلة كلها عنده تُسرع في الجواز .. يعني تليفوني ماكانش بيبطل رن أمه وأبوه وأخواته وهو .. وزوجات إخواته والكل بيساعد عشان الجوازه تتم وبيكونوا حريصين أوي إنه ما يقعدش معايا كتير لوحده ولازم يكون حد منهم موجود .. جهزوا كل حاجة أسرع من الوقت وأمه قالت إنها تعبانة وخايفة تموت قبل ما يتجوز خصوصاً إنه الحنين إللى مالهوش بخت ...................."
توقفت بعض الوقت وأظهرت لي يديها التي شوهتها الإصابات ، من اخر مرة ضربها فيها حينما منعته من أن يأخذ السخان ليبيعه ويحصل على المخدرات وقالت " أنا من شهر كده قرب الإمتحانات لقيت أمه وأبوه بيقولوا لحفيدهم إللى داخل الإمتحان : من غشنا فليس منا!! وقلت لنفسي وهو إللي عملوه معايا مش أكبر غش في الدنيا؟!! وفضلت ساكتة والأخر إنفجرت وقلت لهم إن الوضع في الأسوأ وأنا تعبت فردت أمه وقالت هي الست كده لما جوزها .... تبتدي تقول عليه عيوب وبلاوي .. عموماً يا بنتي مفيش راجل بيقضي على مراته طول الوقت !! حسيت إني فعلاً هيحصلي حاجة .. هي قلبت الموضوع إنه عشان مفيش بينا علاقة زواجية وأقسم بالله ده ما عادش بيعني لي أي شئ بالعكس بقيت بتمنى كل يوم يعدي وما يحصلش ..... فكرت كتير في الطلاق يمكن من أول شهر .. لكن وعده بإنه هيوقف وجواز أختي في شقة أبويا لأنهم ناس كبار خلاني أفكر ألف مرة قبل ما أرجع تاني خاصة إني حملت بعد أربع شهور من جوازي وأصبحت شخصين ضايعين "
أكملنا حديثنا الذي إستمر قرابة الساعتين ونصف ووصلت لنفس الشئ الذي تحدثت فيه في حلقة مع المذيعة المحترمة رولا خرسا من حوالي عامين أو أكثر وقتما كانت تقدم برنامج يسمى القصة وما فيها على ما اتذكر ، وكانت إستضافتني لأعلق على الشاب المسيحي الذي قتل زوجته وقطعها في الأسبوع الأول وعلى ما اتذكر أيضاً كان يعمل صائغ.
وكشفت التحريات عن إنه كان مصاباً بالفصام وأن أهله زوجوه كي يشفى كما نصحهم الطبيب النفسي ، وقتها قلت للأستاذة رولا : للأسف بعض الأطباء ينصحون الأهل أن المدمن أو الفصامي لكي يتم علاجهم فإما ان يتدين أو يتزوج كي تتحسن حالته !!
وهذا إعتقاد خاطئ من بعض الأطباء أو إستنتاج خاطئ من بعض الأسر ، فالفصام أو المخدرات لا يتحسنوا بالزواج لكن العلاج منهما شرط لحدوث الزواج .
فالحياة الزوجية مسؤلية وشراكة وبالتالي فهي أمر ضاغط على الشخص الطبيعي فما بالكم بالشخص غير الطبيعي سواء لمرض عقلي أو لإدمان؟!!!
ويكون الزواج إستمرار علاج بعدما يقضي الشخص كل خطوات العلاج ويتم التأكد من التخلص الكامل ليس فقط من المخدرات وإنما من الشخصية الإدمانية التي تتميز بأمور غير مقبولة بخلاف المادة المخدرة مثل الإعتمادية ، الإنعزالية ، عدم تحمل المسؤلية ، التركيز على الذات ومتعتها ، عدم القدرة على تأجيل الرغبات ... وغيرها .
وهنا يدخل الأمر فعلاً في دائرة الغش ، حيث يجب إطلاع الزوجة التي وقع الإختيار عليها بما يعانيه الشخص، كما نطالبها بأن تحافظ على نفسها وتصارح الرجل بأي شئ وتدع له الإختيار فقد يقبل البعض وقد لا يقبل البعض الأخر.
ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن نخدع الناس بأن نزوجهم أبناءنا بما يعانوه من أمراض أو اضطرابات وأعتقد أن أهل الدين أيضاً يتفقوا معنا على ذلك ..
في حياتي العملية قصص كثيرة لفتيات تزوجن من رجال لم يعرفن أمراضهم ، ومن رجال تزوجوا من نساء لم يعرفوا شئ عن أمراضهم واضطراباتهم ، والنهاية دائماً غير سعيدة فالقليلين من يستطيعوا أن يعيشوا كثيراً في هذه الخدعة لفترات طويلة.
ويخسر هؤلاء الأهل الذي مكروا ومكر الله بهم حينما يضاف إلى مشكلات إبنهم الذي أبلوا بها أخرين مشكلات فشل جديدة قد تؤخر علاجه وقد تدفعه في بعض الأحيان إلى الجريمة أو الإنتحار، وأعتقد – مع كامل إحترامي لما يعانوه- ان ذلك منتهى العدل ، فقد تسببوا في تدمير حياة أخرين دون ذنب، فرد الله لهم ما قدموا .
ياليتنا نعلم أن المبادئ لا تتجزأ ، وأن الأخلاقيات أسس عامة ، فمن غشنا فليس منا لا يقصد بها الإمتحان المدرسي أو الغش في المنتجات وإنما يقصد بها أيضاً خديعة الناس في المعاملات الإنسانية وبالطبع الزواج على رأسها .