كنت منذ يومين تحديداً يوم الإثنين الموافق 23 أغسطس 2010 أقوم بإلقاء محاضرة وجهت لي الدعوة لإلقائها من الهيئة النسائية في دار الفتوى بمدينة طرابلس بدولة لبنان الشقيق بالتعاون مع جمعية مودة القائمة على التنمية الأسرية.
وكان موضوعها كيف يتعامل الأهل مع المراهق أو المراهقة وقد حضرها ما يزيد على 300 سيدة ومراهقة من عدة ضيعات قريبة من طرابلس وأيضاً من مخيم البداوي الذي يقطنه الإخوة الفلسطينيين.
ومع بداية المحاضرة شرفنا فضيلة مفتي طرابلس بالحضور وألقي كلمة يفتتح بها المحاضرة وكذلك بعض الكلمات الترحيبية بالحضور وبالمصريين في صورتي (وهذا شرف لي).
وبدأ فضيلة المفتي كلمته بالتحدث عن فضائل شهر رمضان والفرص السانحة فيه لتحسين العبادة والعلاقة مع الله .... إلا أن أهم ما لفت نظري في كلمة فضلته هو تحذريه للداعيات الحاضرات للمحاضرة من ألا ينفروا ممن يصدر عنهم الخطأ ، وأن المسلمة التي تخطئ تحتاج لعناية فائقة ، فإذا كنا نسعي بكل قوة لنشر الإسلام في بلاد غير المسلمين، فالأولى بنا هؤلاء الذين يدينون بالإسلام ويحتاجون إلى التعرف عليه وتحملهم وتقبلهم حين الخطأ...
عند هذه الكلمات شردت كثيراً وبعيداً عن القاعة والحضور وفكرت كيف يتعامل عدد من الدعاة مع بعض المقصرين حين يسألونهم أو يتحدثوا إليهم؟؟
كيف يتحدث العديد من الدعاة الرموز عن النار الحارقة والتي لا يتخيلها بشر التي تنتظر المقصرين؟؟
كم من شخص أخطأ وكان يتمنى من هؤلاء كلمة توضح له غفران الله عز وجل ورحمته قبل عذابه؟؟
كم من دعاة عالمنا الإسلامي يتحدث عن التوبة والمغفرة بقدر حديثه عن النار والعذاب وألوانه لمن يخطئ أو يصدر عنه ما لا يقبله الله؟؟
لقد شغلتني هذه الأمور من قبل خاصةً حين تأتيني سيدة أو رجل أو شاب ويقول أنه تدهور في سلوكه حينما تأكد بالنسبةِ له أن الأمر حُسب عليه وفكر في العذاب الذي ينتظره فلم يجد سوى أن يستمر في الأمر ليخفف عن نفسه التفكير في الذنب الذي لن يغتفر.
ولكني فكرت وقت أن شغلني هذا الأمر أن هؤلاء الدعاة ربما بحكم تخصصهم أدرى بالبشر وبالتالي هم أفهم لحالتهم وأن الدعوة لهم تخويفاً من العذاب ربما تكون أكثر تأثيراً من التذكير برحمة الله – على الرغم من دراستي أن البشر يختلفون فمنهم من تحببه للشئ بالأمر الطيب فيه ومنهم من تحببهم في الشئ بالتحدث عن الأمر غير الطيب عند مخالفة قواعده- وإعتبرت وقتها أن الأمر بما فروق في التخصصات أو فروق في الخبرة بما أن الدعاة الذين يتحدثون بهذا النهج وتتعالى أصواتهم تحدثاً عن العذاب هم كبار الخبرة والعمر.
وحين تحدث فضيلة مفتي الشمال اللبناني وقال كلمته بضرورة أن نحتوي هؤلاء الذين يقعون في خطأ، ونذكرهم بمغفرة الله ونفتح لهم صدورنا، حينما تحدث عن أن لهم الأولوية على البحث عن غير المسلمين لإدخالهم في الدين، حينما تحدث عن أن المقصرين يحتاجون إلى عناية ومن يخطئوا يحتاجون إلى عناية فائقة وبالغة وصدر رحب منا لإحتوائهم تأكدت وقتها أن الأمر ليس إختلافاً بين فكرتي عن الدعوة وبين الدعاة الذين يتحدثون فيها عن نار الله الموقدة دون جنته وغفرانه ورحمته وعفوه عند النية الصادقة للتوقف عن الإثم وإعلان التوبة والإقرار بعدم الرجوع لها.
هذه هي الروح التي يحتاجها شبابنا وفتياتنا من دعاتنا ، أن نتقبلهم حين يخطؤن لنعبر بهم إلى بر الأمن ، أن نساعدهم في زرع الإيمان في قلوبهم محبة لله وتفهماً لطاعاته قبل التحدث عن نار وقودها الناس والحجارة أعدت لهم إن هم أخطأوا أو حادوا عن الطريق، نتحدث لهم عن أبواب رحمة الله التي لا تغلق أبداً فهو أدرى بعباده ولو علمه عز وجل بأنهم سيخطئون لما جعل لهم باباً للتوبة والرجوع ، ولما حدثنا جل في علاه عن تقبله لنا حين نعود.
أعتقد أن هذا الحديث يحتاج لمراجعة ممن يتولون أمر الدعوة والقيام على الفتوى وغيرهم ممن يرجع لهم الناس ليتحثوا لهم عما أصابهم وقت ضعفٍ خص الله الإنسان به ليستمع إلى توبته ويتقبل عودته فهذا أهم بكثير من البحث عن مسلمين جدد ولدينا من يحتاجون أن يعرفوه جيداً ليس بوصفه ديناً يقوم على إفعل ولا تفعل وإنما بكونه منهاج حياة نخطئ فيها ثم نعود ونتعلم من خطئنا فلا نعود له ثانيةً أو نضعف ونعود ثم نستغفر ببساطة لأننا بشر ولأن إلهنا وسعت رحمته كل شئ.