انشغلت خلال الأيام الماضية بالحوارات والبرامج التي أجريت حول السلامة العقلية لمجند سمالوط الذي أطلق النار على عدد من الأشخاص في القطار رحمة الله على من استشهد وأعان الله حتى من عاصر المشهد دون أن يعاني ضراراً مادياً فما صعوبة الموقف على المستوى النفسي خاصةً لو كانوا أطفال .
وأكثر ما جذبني في الحديث عن الحادث هو إصرار المتحدثين على فكرة واحدة دون غيرها وهي مدى سلامة المجند العقلية ، والعقلية ، فقط !!
وبالطبع ربما أفهم ذلك في إطار الرغبة في تحديد مسؤليته عن الحادث ، إلا أن أحداً لم يتحدث عن شق أخر على الأقل من باب التناول الذي يفيد المتابع للأحداث والذي ينقصنا جميعاً كأمة عربية وهو الذي يتعلق بمدى مناسبة المجند للعمل في هذا المجال من حيث سماته الشخصية وحالته النفسية.
فمنذ عام 1997 وحين كنت لازلت في دراستي الأكاديمية في علم النفس وأنا متعجبة إذا كان هناك علم يسمى علم النفس الصناعي والتنظيمي والإداري، ذلك الفرع الذي يهتم ببساطة بما أطلقت عليه وقتها ( مين يوضع فين) أو ما يقول عنه الأجانب وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، فلماذا إذن نحن لا نستخدمه ونهتم بتفعيل دوره؟؟
لصالح من يبقى شخص في مهنة لا تناسبه وتضر به وبعمره الذي يضيع دون أن يشعر بالرضا ولا الإرضاء الذي يتمثل في أن يؤدي عمله كما يجب؟؟
لماذا لم نقتنع بعد ، ورغم كل الكوارث التي يعيشها أشخاص حولنا أن كل مهنة تحتاج إلى خصائص شخصية وقدرات عقلية معينة وهو أمر تمت دراسته منذ عقود بعيدة ، فقد وضع سوبر 1957 ملامح كاملة للعاملين في عدد كبير من المهن منها مثلاً رجال المبيعات والفنانون وعلماء الطبيعة والنفس وغيرها ، ، بل أن جيلفورد وزيمرمان أثناء عملهما في سلاح الطيران الأمريكي في فترة الحرب العالمية الثانية قد وضعوا اختبارات نفسية لقياس خصائص وقدرات معينة لإنتقاء الأفراد الصالحين لكل مهنة في سلاح الطيران.
ومن قبلهما دراسة بيل Bill التي نشرت عام 1923 والتي تحدث فيها عن دور الذكاء ونوعية القدرات العقلية في ترك العمل أو الإستمرار فيه ...
هذه وغيرها من الدراسات والأعمال إلى متى سأظل أنا وزملائي نضعها في رسائلنا العلمية لنحصل بها على دراساتنا للماجستير أو الدكتوراه دون أن يتم تطبيقها على أرض الواقع لنستفيد منها في رفع الكفاية الإنتاجية وتقليل الخسائر وإرتفاع الروح المعنوية والرضا لدى العاملين؟؟
لقد تعرض المجند إلى أزمة إنفعالية كبرى نتيجة رؤيته لزميله وهو يموت من طلقة صدرت خطأ، ثم بدأ يعاني من مشكلة نفسية تم علاجه على آثرها ، فهذا يعني أنه شخص لا يتحمل الضغوط ، وبالتالي فإن عودته لعمل به مسؤلية كبيرة مثل حمل السلاح هو أمر شديد الخطورة ، فما يظهره الفرد عند التعرض لأزمة يعبر عن منهجه النفسي الداخلي في التعامل مع الأمور، وبالتالي يمكن من خلالها أن نصدر أحكام عليه من حيث إستمراره في مهنة أو عدم إستمراره.
فمثلاُ حين نتعرض لأزمة وفاة أحد الأقارب أو الخروج من حالة عاطفية ولا رؤية قتل أو دماء أو غيرها ربما يبدو علينا علامات الخوف القلق التوتر وربما يصل الأمر بالبعض إلى الإغماء كمحاولة للهروب من الموقف الذي لا يستطيع أن يستوعبه بقدراته فيهرب بحل يسمونه حلاً هستيرياً بالخروج عن دورة الحياة ولو مؤقتاً ، وقد يدخل البعض في إكتئاب وربما أعراض أخرى كثيرة نطلق عليها أعراض ما بعد الصدمة ، إلا أن تعامل الفرد معها واستمرار هذه الأعراض إنما هي تعبير حقيقي عن مدى تماسكه الداخلي ، وهي مؤشر على السلامة النفسية ، ومن يضطره الأمر إلى أن يأخذ علاج نفسي لمدة سنة وتتغير طريقة حياته وتصدر عنه تصرفات غير مقبولة بين الناس كضرب زوجته أو خنقها أو غير ذلك ، لا يصح أن يعود لعمل بهذه الخطورة، أليس كذلك !!!
وإذا كان الموقف عندي أهم وأكبر من هذه الحادثة التي سيقرر بشأنها قضاءنا الذي نحترمه جميعاً ، فإن ما يهمني هي الفكرة الأساسية التي تقوم على أن نهتم بالحالة النفسية وسمات الشخصية للعاملين في المهن المختلفة خاصةً ذات التأثير على الأخرين ، فالجراح ، والقاضي، والمعلم ، والطيار ، ومن يحمل سلاح ، والقيادات في مستوياتها المختلفة فئات لا يمكن وضعها في أماكنها دون إختيار ، لأن مشكلة كل مهنة منهم أن أي فشل فيها أو خطأ لا يؤثر على صاحب المهنة فقط ، وإنما يؤثر على كيانات إنسانية أخرى زادت أو قلت.
فالجراح العصبي قد يتسبب في وفاة مريض إن لم يتماسك ويقدر على ضبط حالته الإنفعالية، والمعلم العدواني لن يسمح للطالب بأن يعبر عن نفسه ، والقائد الذي يعاني شعوراً بالنقص لن يقبل مصلحة العمل إلا إذا كانت تحمل توقيعة وأفكاره الشخصية، والضابط الذي لا يتحكم في إنفعالاته قد يقتل أشخاص دون ذنب ، وهكذا ...
بل إن الأمر عزيزي القارئ يتعدى المهن إلى الحياة الشخصية ، فكما خلق الله الناس منهم من ينجب ومنهم من يكون عقيماً ومنهم من يرزقه البنات ومن يرزقه البنين أو الإثنين ، فأيضاً الشخصيات حولنا هناك من لا يصلح منهم للزواج ، حتى لو توافرت له الخصائص الصحية والعقلية ، ذلك أن السمات الشخصية جزء مهم لا يمكن إغفاله ، فالزواج يعني حياة مع أخر يعني أخذ وعطاء ، يعني تنازل عن رضا عن أشياء خاصة لأجل الصالح العام ، يعني التطوع ببعض المهام التي لم يتم التوقيع الضمني عليها لصالح الكيان الأسري ، يعني تحمل لحظات الضعف عند الأخر والسلوان بما كان يعطيه وقت أن كان يملك ، يعني نسيان الإساءة لأن النية السليمة مسبقة على أي تصور مرضي ، يعني أن يفشل الشخص في أن يعد ما يعطيه لأنه لم يهتم بعدده بإعتباره يعطي ذاته وهو يعطي الشريك ....
أعتقد بعد هذه الأبعاد ستعرفون أن كثيرون حولنا لا يصلحون للزواج ، حين تكون شخصياتهم بين الأنا والأنا ، لا بين الأنا والأخر ، حين تكون شخصياتهم تبحث عن الخارجي لا عن الداخلي، حين تكون شخصياتهم تحسب ما يخرج منها لا ما يُمنح لها ، حين تكون شخصيات تتذكر ما ادركته إساءة لها وتنسى ما تم لها من عطاء حقيقي ، حين تفكر فيما ينتقصها في حياة مع الأخر لا فيما تملكه مع هذه الشخصية ...
تماماً كما أن هناك أشخاص يصلحوا أن يكونوا أزواج أو زوجات وشخصيات لا تصلح ..
ياليتنا نهتم بأن نضع خصائص لكل عمل في الحياة ونبحث عن من يصلح له فهناك أشخاص مناسبين لكل مهنة كما أن هناك مهنة مناسبة لكل شخص من الظلم أن يعيش ويموت وهو لم يمارسها لأننا نعتمد وسائل أخرى في تعيين الأشخاص في النهاية كلنا ندفع الثمن كما يدفع الثمن أولادنا حينما يتزوج رجل أو إمرأة وهم غير صالحين لوظيفة (زوج) أو (زوجة).