ليس من عادتي أن أكتب والنهار لازال يضئ الحياة ، فظلمة الليل هي المكان والتوقيت الأحب إلى عقلي وقلبي في الكتابة عادةً – بالمناسبة العقل أيضاً يحب ولكننا نسميه تفضيل ليتناسب مع العقل ويبقى الحب مقروناً بالقلب – إلا أن عادتي اليوم تغيرت بعد أن تلقيت للتو الرسالة رقم 46 من سيدة إماراتية تشكرني فيها على مقال كيف نعلم أطفالنا الحب ، ومن بعده عرفوني لأ ما عرفونيش ..
وكتبت في تعليقها – وهو تعليق تكرر بصياغات مختلفة في الرسائل الـ 45 التي سبقتها وتعليقات الناس على الموقع وصفحتى على الفيس بوك – أشكرك على هذه الكتابات فنحن بالفعل في حاجة إلى من يحدثنا عن الحب!!
وخلال متابعتي للأصدقاء الذين أضيفهم على الفيس بوك هذا الموقع الإجتماعي الذي يحتاج الكثير لدراسته لتتعرف على ملامح الحياة ، أجد أن أصدقائي الذين وصل عددهم إلى قرابة الألفي شخص تقريباً يتحدثون مرة على الأقل خلال شهر عن هذا المعنى ، وأقصد عن إفتقادهم للحب أو رغبتهم فيه ، أو سعادتهم حين إيجاده ، كل الألم حين ضياعه أو حدوث توتر في العلاقة بالمحبوب.
وأقصد بالحب هنا ، هذا المعنى العظيم الذي لا أجد في نفسي تعريف له أبسط من كونه هذه الطاقة الدافعة التي تُحرك الحياة مهما كانت الظروف والتي تجعلك تتنازل عن كل ما تملك طواعيةً لأجل أخر، حتى لو كان ذلك بأن تلعب في قصة حياته دور شرير القصة .
أقصد بالحب هنا أوسع المعاني ، بدايةً من حبك لله عز وجل الأولى والأهم والأنسب للحب بهذا المعنى ، ونهايةً بحب الناس فيه ، فتكون العلاقة عطاء دون إنتظار مقابل ليس لكونك ملاك ولكن لكونك إنصهرت مع من تحب فأصبح عطاءك له في حد ذاته عطاء لذاتك التي لا تجد ما يفصلها عن الأخر ، حبيب أو زوجة أو أم أو عمل أو وطن أو صديق أو أخ أو ابن ...
وهنا .. وعندما أتلقى كل هذا العدد من الإيميلات والرسائل التي وصل بعضها لصفحتين لمجرد أنني كتبت مقال عن الحب ، لابد أن نتوقف قليلاً ونراجع أنفسنا ونسأل سؤال لا نتعجل في الإجابة عنه .. وأرجو أن تفعلوا ولو لمرة واحدة نضع سؤال يبقى لمدة في عقلنا لنشعر به ونتفاعل معه بكل ما مر بنا من أحداث ، والسؤال مفاده :
بعد كلماتنا عن الحب ،وتحركنا لكل معنى قريب منه ، وسعادتنا في وجوده ، وكتابتنا عنه أو عن من يمثلونه في حياتنا ..هل يا ترى لازلت ترى أننا في حياة مادية لا مكان فيها للحب كما نحاول أن نوصل لبعضنا البعض؟؟
هل بالفعل أصبحت الحياة كلها مادية دون حاجة للمشاعر؟؟
وإذا كنا كُلنا نشكو من غياب الحب والمحبين فيا ترى من الجاني إذا كنا جميعاً الضحية؟؟
الحقيقة المؤكدة – من وجهة نظري – أننا لازلنا قادرين على الحب
لازلنا نبحث عنه ليملأ حياتنا بحالة الأمان التي ننشدها ونسعى لها بزيادة ثروتنا أو تعليمنا أو مناصبنا ولكننا حتى مع كل هذا نشعر بأن شئ ما ينقصنا.
نعم لازال هناك رجل يملك كل الأشياء المادية وينقصه الحب فلا تجده سعيداً!!
ونعم لازال هناك إمرأة تملك كل الأشياء المادية وينقصها الحب فلا تجدها سعيدة!!
راجع في الديانات السماوية لتعرف إحصائيات كلمة (يحب) وما شابهها لتعرف أهميتها بالنسبة للبشر ، ففي القرأن تقترب كلمة أو لفظ (يحب) وما يعادله إلى ما يزيد عن التسعين مرة ، وفي المسيحية فإن الأساس (الله محبة) وإذا كنا أمام كلمات الله فمن المؤكد إن الأمر يحتاج إلى فحص.
كما أطالبك بأن تراجع كم تعش حالة من السعادة حين تشعر بحب شخص لك ، أياً كان وضعه أو مكانته في حياتك، راجع تأثير رسالة من صديق يعبر فيها لك عن حبه ، أو رسالة من حبيب يعبر لك فيها عن قدرك في حياته ، أو كلمة همست بها زوجتك في آذنك تعبر بها عن حبها لك ، أو تعليق كتبه لك زميل يوصل لك من خلاله محبته لك...
في الحقيقة .. كلما راجعت الناس حولي ، كلما تفحصتهم بعقلي وقلبي تأكدت من أننا نبني سوراً حديدياً ونتقن صنعته ، ونُبرع في سد كل النوافذ المُطلة عليه ، ثم نصرخ باعلى صوتنا أننا نختنق ، وكل يوم صوت يعلو ويعلو .. حتى أصبح صوتًا جماعياً ، وأصبحت كالأغنية الحزينة التي كتبنا كلماتها بانفسنا ثم نظل نبكي عليها حتى نغيب عن الوعي ، وحين نعود نتساءل في حيرة .. من وضع لنا خذخ الأغنية ، وللأسف ننسى أو نتناسى أنها من صنيعة أيدينا نحن!!
كُلنا نبالغ في العملية بإعتبارها لغة العصر ، وكأننا كتبنا على أنفسنا القتال في ساحة لم يكتبها الله علينا ، وأعلنا على قلوبنا (الحرب) ونسينا أن بالكلمة حرف زائد ولكنه شتان الفرق بينه وبين لغة القلوب ولككنا ننسى في الزحمة أن هناك فرق كبير بين (الحرب) و(الحب) فرق أكثر بكثير من حرف يُكتب بالخطأ ، ولكنه كالتشابه في الأسماء نتيجة لحرف خطأ بين رجل عابد ورجل مُجرم هارب من أحكام ، فتخيل حينما نقبض على العابد الصادق ونحبسه في سجن وربما نحكم عليه بالإعدام لأننا أخطأنا في حرف فأنهينا حياته ..
هذا يا سادة ما نفعله في قلوبنا وعند التعامل مع حياتنا التي نسعى بأنفسنا إلى تحويلها من ساحة حب إلى ساحة حرب ، فنتحول إلى نظارات سوداء نرى من خلفها بعضنا البعض فيظهر كل منا بغيض للأخر ، ونسبق بالسيئة والنية السلبية بدلاً من الخير الذي أُمرنا أن نضعه أولاً.
سأظل أقول خُلقنا لنُحب ، خلقنا للخير ، خلقنا لنعيش مع الأخر في سلام ، خُلقنا لنعسى لتطويع الحياة لنا ، فحولنا كل هذا إلى حرب ، شر ، حياة فردية ، وفي النهاية طوعتنا الحياة لها فأصبحنا عبيدأ لأشياء خُلقت مُسخرة لنا ، فإستبدلنا الغالي بالرخيص ورضينا لأنفسنا أن نكون عبيدأ لألهه جديدة.
وحتى أكون محددة .. سأقول في إختصار .. لا تقتل الحب في داخلك ، وتحرك به فالقلب الذي لا يحب ميت وتحول لمجرد إناء لتدفق الدم عبره ، لا تخشى من الحب والعطاء فيه فلولا الحب لما كنت تجلس أمام كلماتي الأن تقرأها ، فقد أحبتك أمك وحرصت عليك وعلمتك لتكون هنا، وأحبك أبوك وتعب ليحضر لك هذا الجهاز الذي تقرأ لي من خلاله ، ومن قبلهما أحبك الله وكرمك على سائر المخلوقات فجعلك وصورك في أحسن صورة لتجلس كما أنت جالس الأن ملك متوج لا تبذل مجهود وأجهزة جسمك تعمل حتى حينما تقرر أن تنام وتبتعد عن الحياة!!!
ألا يستحق منك كل هذا أن ترد الحب بالحب ن فتحب أمك وأبوك وأخوتك وأصدقاءك الذي يمسحون منك دمعة في وقت ما حتى لو لم تسمح ظروفهم ليكونوا كذلك طوال الوقت ، لتحب عملك ليعطيك فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وهل إحسان العمل يأتي إلا إذا أحببناه ، حب وطنك حتى لو إعترضت عليه ، فما الوطن سوى مكان وهبه لنا الله إن كان حسن فهو من أعمالنا فيه وإن تدهور حالة فكلنا مسؤلين ، حب حبيبك وإخلص له وتقبله كما هو فمن يحب يقبل الشخص كيان متكامل ويضعه في معادلة تتساوى أطرافه وتصبح معادلة ناجحة لأن المميزات والعيوب تصدر عن شخص يُشبعك عاطفياً وإنسانياً ، حبي زوجك فالرجل في مجتمعاتنا أمامه الكثير للأسف في ظروف زمامها مصاب بخلل ، وبالتالي فكونه إختارك في هذه الظروف فهو يحبك أياً كان تصوره للحب ، حب زميلك في العمل وجارك في المنزل فإنك إن تعرضت لأزمة لا قدر الله فسوف يكون أول من يجيرك حتى قبل أهلك أصحاب رابطة الدم .
أقصد .. ألا تستسلم لما نقوله بعضنا لبعض من أن الحياة ليس بها مكان للحب ، وجرب مع من حولك فلن تخسر ، على الأقل ستكسب إنك إختبرت قلبك هل لازال ينبض أم أن جرحه تليف وتحول بالفعل إلى وعاء يجري الدم خلاله ، وظني بالله خيراً أنك إن حاولت فلن يخذلك فهو من قال .. وعز من قال ( إن الله يحب ) اللهم إحم قلوبنا من التليف ، اللهم إحم قلوبنا من الموت ونحن أحياء ، اللهم ساعدنا لنعمل كما خلقتنا فلا نتحول لألآت على غير خلقتك لنا ، اللهم إحفظ لي أهلي وأصدقائي وأحبتي وطلابي وأساتذتي ووطني وديني وإجعلني ممن يخافونك ويحبونك .. أمين .
التعليقات حول الموضوع
5- اجمل الاعمال هى حبها دودو ريان - 2011-04-15 23:18:45 الصديقه الحبيبه د...دالياكالعاده مقالك رائع وعن تجربة بحياتى اى عمل اقوم به ان لم اكن احبه لو فعلته لمجرد الواجب او المفروض يكون سيىء او بالدرجه الادنى من المتوسطه حتاللهم احيى قلوبنا بحبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا الى حبكى اقل الاعمال والمعتاده لنا جميعا جربو كده اعملوها بحكم العاده او اعملوها بحب صدقونى ستلاحظون الفرق شاسع4- الحب والعطاء منال الحبشى - 2011-01-25 20:05:28 لا أدرى لماذا أريد أن أبكى ربما لان مقالك دكتورة داليا أثار حنين فى قلبى خاصه....وبرغم أنى أكثر الناس حظا فى حب من حولى لى وحبى لهم لكن قلبى يطلب المزيد فالحب عندى يشعنى بالامان3- عندم نقتل الحب قارئة مستديمة - 2011-01-25 14:06:36 في البداية مقال رائع كالمعتاد يا دكتورة والأروع فيه حدثك عن الحب نعم نحن نحتاج إلي الحب ذلك الذي نقتله بايدينا لا أيدي الغير ونبكي عليه فالحب هو دواء لالام كثير تمر في حياتنا فما أروع كلمة جميلة سواء من صديقة أو أم أو زوج حين نكون في وقت الشدة فالحب هو ما يجعلما نتعامل مع بعضنا البعض ونتحمل الكثير من الالم سواء ممن نحبهم أو ممن نتعامل معهم فهذه القجرة التي حبانا الله تعالي بها ( القدرة علي الحب ) هي من أجمل نعم الله علينا وأخيرا لا أستطيع أن اشكرك بكلمات تكفي عن هذا المقال الرائع 2- الحب أم أحمد - 2011-01-24 20:01:31 يا ريت يا دودو يا ريت الناس تعرف إن كل مشاكلها تتحل بالحبوالله بالحبلولا الحب الذي فطرنا الله عليه ما ستطعنا العيش في هذه الحياه القاسيه 1- من أروع ما كتبتى مهندسة ايمان جمال - 2011-01-24 08:49:21 دكتور داليا صباح الخيرمن اروع ما كتبتىإن الله يحبقال رسول اللهلا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسهحديث قمة الحبذلك هو الحب الحقيقى وليس حب الفالنتين والدباديب ومكالمات نصف الليل المنتشر بين شبابنا فهذا ليس تحت بند ان الله يحبلذا علينا ان نتدبر كل ما يحبه الله ونسعى فيه اه لو عملنا ذلك سنكون المدينة الفاضلة اللهم احيى قلوبنا بحبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا الى حبك يارب اميناكتبى الصبح كتابتك حلوة عقلا وقلبا