مرحباً بكم .. بدايةً أعتذر بشدة عن عدم كتابتي بالأمس على الرغم من إنني وعدت بأن أكتب يومياً لتعيشوا معي فيما يحدث، لكن ربما لم أملك بالأمس أن أفعل أي شئ، بعد يوم التدريب الأول ومقابلة عدد من الشخصيات، وتوقيع كتابي " في بيتنا مراهق" أثناء إفتتاح الدورة، وغير ذلك، مما تسبب حتى في ألا أستطيع مقابلة رئيس الإذاعة الذي أعتذر له علانيةً حيث دخل إلى زيارتي في قاعة التدريب لكن يبدو أنني أطلت في ورشة العمل، فاضطر للمغادرة وإن شاء الله تُعوض بمقابلتي له اليوم فهو أخ فاضل بارك الله فيه.... وبعد.
وأستأذنكم .. أنه نظراً لكثرة الأحداث في يومي هنا، فإسمحوا لي ألا أكتب تفاصيل شخصية كثيرة، تخص التنقل بين الشخصيات التي أعرفها أو بين الزيارات الخاصة والأماكن التي أعتاد الذهاب لها، وسوف أفعل ذلك في مدونة سريعة أو نوتس لذلك على صفحتي على الفيس بوك، لكني سأخصص الكتابة هنا لبعض الأشياء العامة التي تنتج عن التفاعل اليومي داخل لبنان، فقد يكون ذلك أكثر إفادة للجميع .. أتمنى ذلك، وأعد الزميلات والأخوات اللاتي يهمهن تفاصيل اللقاءات ليتعايشوا معي بأن أتناولها إن سمح وقتي كما قلت على صفحتي الشخصية.
المناخ العام
ربما يكون من غير المعقول أن أكون في دولة أخرى بحيوية لبنان وألا أنقل لكم أصداء حياة العالم هنا، لتعرفوا ما يحدث في بقعة أخرى بخلاف مصرنا الحبيبة ، ولعل أهم مشاهد الحياة العامة في لبنان هذه الفترة نجد..
المشهد السوري الذي لا يغيب عن حديث اللبنانيين خوفاً على ما يحدث لمن هم الأقرب لهم، فقد سمعت أثناء المحاضرة بخبر غلق الحدود التي تجمع سوريا بالأردن ولبنان، وهو ما سبب قلق زائد لدى اللبنانيين حين سألتهم وماذا يعني ذلك؟؟
ولمن لا يعرف فإن الشعب اللبناني بحكم تكوينه شديد التعقيد والتركيب، هو شعب سياسي بطبعه، فإن لم تكن من متابعي السياسة في العالم ستجد أن جزء كبير من الحوار لا تستمتع به، لأنه ينصرف بقدرٍ ما إلى الجوانب السياسية في العالم، وذلك بدايةً من الطفل ذا الخمس سنوات حتى الختيارة التي بلغت من العمر أرزله.
أما عن لبنان نفسها فيبدو أن الشعوب العربية كُلِها قررت أن تخرج، وتخرج هنا بمعنى تعترض، وتعترض بشدة إن جاز التعبير.
فقد شاهدت لوحات مختلفة عما أراه في كل زيارة في لبنان، فهناك إضافةً إلى اللوحات التي تعبر عن الإنتماءات المختلفة ستجد عبارات تعبر عن الرفض كوضع عام اذكر من أغرب هذه اللوحات : لأ .. ما ماشي الحال!!
وهي عبارة على عكس ما اللبنانيون يكرورنه في حياتهم اليومية، فإذا ما سألت أي لبناني عن شئ ستكون الإجابة (ماشي الحال) وربما يُكملها بالحمد لله ، أو يكتفي بها وحدها ف معظم الأحوال.
وهو أمر إن كان يعبر كما ذكرت فإنه يعبر عن حالة من الإنتفاضة التي تشمل كل البلدان العربية.
ومــــاذا عن الإدراك؟؟
كتبت عنوان يومي الثاني في لبنان عن (الإدراك) ، وذلك كي أروي لكم أمر يتعلق بحياتنا اليومية، ونحن لا نعرف عنه الكثير، وربما يتسبب في عدد من المشكلات في حياتنا اليومية دون أن نعي ذلك بأي صورة.
وكي تعرف بداية الموضوع، أقول لك أن يومي الأول في الدورة التدريبية التي أعقدها لمعلمي لبنان، الذين بلغ عددهم 65 معلم ومعلمة من كافة أنحاء لبنان، فبين بيروت ، وطرابلس، وصيدا، وصور، وعكار، والبقاع، وغيرها شرفني هؤلاء بتمثيل مدارسهم.
وأثناء الحديث عن المتطلبات الأساسية للطفل كيف يصلح أن يكون (تلميذ) بإعتبارها وظيفة لها مسوغات تعيين، فقد ذكر المعلمون عدد كبير من المتطلبات، وناقشناها جميعاً، إلا أن واحد من المتطلبات وقفنا عنده لنختلف، فقد قال أحد المعلمين المتميزين " ضرورة أن يكون لدى الطالب منذ دخوله إنتماء للمدرسة" !!
فعلقت إن الإنتماء إصطلاح ومعنى كبير، شرحت أبعاده الفلسفية، والعلمية، والتطبيقية، لأوضح لهم أن المطلوب من التلميذ في البداية نحو مدرسته ربما قدر من (التقبل)، وليس الإنتماء، الذي يحمل في تفسيره معاني كبيرة.
فعلق المعلم .. لا .. في لبنان نحتاج إلى إتماء التلميذ، وذلك نظراً لأن المدارس – في كثير منها تتبع أحزاب، أو حركات سياسية او غير ذلك..
فقلت له : صدقت!!!!
وهنا .. توقفت عند معنى (الإدراك) الذي يعني أن كل شخص (يفهم) الأشياء وفق ثقافته، ووفق المناخ الإجتماعي الذي يعيش فيه.
فعلى الرغم من إنني (أدركت) مفهوم الإنتماء من خلال مفهومي أنا عنه، وإنتقيت ما يتوافق مع مفهومي عنه، إلا أن المعلم الفاضل إنتقى وأخذ ما يتناسب مع (بيئته) وشكل مفهومه، وكَوَن (إدراكه) هو عن كلمة (إنتماء) ، وقد يكون كل منا صحيح، لكن من وجهة نظره، عفواً أقصد من خلال ما شَكَلْ (إدراكه).
كم مرة تسبب لك (الإدراك) في مشكلة ؟؟
لو راجعت ما مررت به في حياتك سوف تجد أن إدراكك للمواقف التي تصدر عن غيرك لعب درواً كبيراً في إحداث مشكلات لك، فقد يتحدث الأخر لك، وهو لا يعني ما يصل إليك، لكنك تترجم ما يصدر عنه وفقاً (لإدراكك) الذي يتناسب مع خبراتك وشخصيتك.
فربما أقوم بكتابة أشياء عامة، ولا أتحدث فيها عن شخص بعينه، أو أتحدث عن قضية أقصد بها تلك القضية بعينها، وأجد إيميل أو أي نوع من التواصل من شخص ربما لم أتحدث معه سوى مرة واحدة، ولم يأتي على بالي إطلاقاً ، فاجده يُفسر، و(يُدرك) الأمر بإعتباره يخص قضيته هو، أو (يُترجم) القضية التي أتحدث فيها بشكل مختلف.
مثلما فعلت بعض النساء حين كتبت عن موضوع أن المرأة مسؤلة عن مشكلاتنا الإجتماعية، وكنت أتحدث عن ذلك من منطلق إيماني بأهمية دورها، فعبرت بعض السيدات لي عن إنها تراني (معادية للنساء)!!!!!!!!!!
أو حينما قرأ البعض موضوعي عن (ضعف الرجل) والذي إنطلقت فيه من إعتقادي بقيادة الرجل للحياة الإنسانية بما أهله له الله وحباه من خصائص، ورؤيتي إلى أنه إذا كانت المرأة هي بحر الحياة، فالرجل هو الشواطئ المحيطة لها من كل جانب والتي تحمي العالم من فيضانها فتتحقق كارثة حقيقية تُغرق العالم.
فقد كتب لي البعض أنني هنا (معادية للرجال) !!!! حين التحدث عن عدم تقبلي لضعف الرجل وتأكيدي على التمييز بين العطاء عن قوة ، والتنازل عن ضعف!!!!
وفي حياتك ستجد أمثلة كثيرة عن ذلك، فهذا زميل يُبدي لك أو نحوك موقف يراه طيب يُعبر لك به عن حبه لك أو تقديره لك، فإذا بك تقابله بنوبة غضب كبيرة ، وعتاب حاد، فهنا تجدك قد (فسرت) موقفه تبعاً لمفهومك عن تصرفه وما يعنيه بالنسبة لك، لا كما خرج من صاحبه نحوك.
وما الحـــــــــــل ؟؟
بما أننا إتفقنا أن كل علاقة ثنائية سواء في الإتفاق أو الإختلاف، هي مسؤلية طرفي هذه العلاقة، فإن سوء الإدراك، وما يترتب عليه من مشكلات راجع إلى الإثنين معاً في معظم الأحوال وهنا نتحدث عن مسؤلية كل من الطرفين كالأتي :
أولاً : الشخص المُرسل : أو من يقدم نحونا السلوك
وجب عليه أن يقرأ – خاصةً في العلاقات الخاصة – شخصية الفرد الذي يتعامل معه، ثم يسلك نحوه بما يتناسبه.
فدائماً ما نقول أن طريق النار محفوف بالنوايا الحسنة، لأنها وحدها لا تكفي، بل نحتاج إلى سلوكيات تُدعم ذلك، فإن كنت تُحب شخص فابحث عن عمل ما يحبه بالطريقة التي يُحبها ويفهما قدر الإمكان، لا بطريقتك أنت المُفضلة.
ثانياً : بالنسبة للمرسل إليه : أو من يتلقى الأمر ثم (يُدركه أو يُفسره)
بالطبع له الحق في أن يحصل على الشئ بالطريقة التي يحبها، لكن عليه أن يتحرى أيضاً عن تفسيره للأمر :
نية الشخص الذي يقدم له الشئ أو يقوم نحوه بسلوك.
طبيعة شخصيته والبيئة التي ينحدر منها.
مدة وطبيعة العلاقة بينهما والتي ربما لم تسمح له بفهم شخصيتك كاملةً.
دورك أنت وحالتك الشخصية حين تلقي سلوكه لأنه لو جاء في وقت أخر ربما تقبلت سلوكه.
وهكذا ... أتمنى من خلال محاولتنا هنا في الموقع أن نرفع من الثقافة النفسية لتحسين العلاقات بين البشر على كافة مستويات العلاقة، أن تسعى لفهم ما يحدث من (إدراكك) للمواقف، وأن تراجع نفسك دوماً عند تلقيك أي مفهوم أو سلوك من قِبل طرف أخر، أياً كان.
وسبب ذلك حماية نفسك أولاً من المشاعر السلبية التي تصيبك عند الإدراك الخاطئ للمواقف، ثم حماية علاقتك بأخرين ربما لم يهدفوا لضيقك، وبالتالي فالأمر يستحق.
ولعل ما أشار له ديننا الحنيف حينما طالبنا (بإحسان الظن أولاً ، وإلتماس العذر للناس) وغيرها من القيم الإيجابية إنما كان هدفها الحقيقي هو حماية الإنسان من أي شعور سلبي يُعطل وظيفته في الحياة وهي عبادة الله وإعمار الكون كجزء من هذه العبادة.