توقفنافي المرة السابقة عند استعدادنا لزيارة نهر البارد ، تلك التي وصفناها بأنها منحة السماء لنا .. فقد كانت الحلم منذ اليوم الأول في هذه الرحلة أن ندخل نهر البارد نفسه .. ونعيش الحالة داخله .. لا أن نقابل النازحين منه إلى مخيم البداوى فقط .
ولما كنا قد عانينا الكثير من أجل تحقيق هذا الأمل .. فقد ظللنا نجتهد كثيرا لتحقيق هذا الحلم ، وبذل زميلنا باسم - المسؤل عن تنسيق الرحلة- الكثير في سبيل تحقيق ذلك .
فكل محاولة تبوء بالفشل نتيجة للحصار الأمني المشدد على نهر البارد رغم إعلان فتحه للنازحين ، بأن يعودوا لبيوتهم خاصة بالنسبة للأماكن التي صنفت بأنها تحمل الحرف
(A)والذي يعنى أنه أقل تدمير ...
وها هو اليوم قبل الأخير لسفرنا ورجوعنا لمصر .. نسعى من الصباح ونجهز أنفسنا لهذه الزيارة، وجاء معنا أعضاء جمعية الغوث لندخل معهم كفريق.. وبدأنا رحلتنا من الصباح نحو الدخول لهناك .. وكنت خلال الرحلة الصباحية من بيروت لطرابلس أشعر بسعادة كبيرة لأنني سأزور المكان بنفسي، على الأقل أشارك الناس أوجاعهم ولو على مستوى رؤى العين لمصيبتهم.. واعتبرت سقوط بعض الأمطار على بيروت فرصة للدعاء بأن يوفقنا الله في رحلتنا، ونستطيع أن نوصل للأخرين صورة حية وصادقة عما يحدث هناك .
دخلنا طرابلس وبدأنا في التوجه إلى نهر البارد.. لا أحد منا يريد أن يتحدث للأخر فربما كل واحد يرتب نفسه من الداخل لهذا اللقاء الذي ظللنا فترة تدريبنا للناس في البداوى نسمع عن الوضع هناك ..
ودخل الأستاذ الذي جهز لدخولنا.. ونقف نحن بالسيارة خارج السياج الأمني على أطراف مخيم نهر البارد.. أكاد أعد أنفاسي في لحظات ترقب تلك التي سيشير لنا بها الأستاذ المسؤل اتفضلوا..
ولكن........ توقف نفسي حين رجع الأستاذ وتبدو على وجهه علامات الخزي .. ولحظة توقف كل شئ .. توقف النفس .. وقبل أن يطول الصمت وخوفا منى على حركتي.. فأخشى أن أفقد سيطرتي على قدمي نزلت من السيارة .. لأتحدث معه .. وسبقني دكتور مأمون زميلي في الرحلة .. فسأله ماذا حدث ؟؟
وجاء رده كالصاعقة .. أنتم ممنوعون من الدخول ؟؟ !!!!!!!!!!
بدأت أترحك بقدمي لأتنفس .. وحتى لا أفقد أعصابي أو أنهار.. فخلفي سيارة تحمل عضوات فريق أم البارد الذي أحمل شرف تدريبهم على تقديم المساندة النفسية والدعم النفسي.. وهم أصحاب الهم والمأساة ..
فقال الأستاذ أنه سيحاول ثانية.. فبادره الدكتور مأمون سأتى معك.. وبعد لحظة من سيرهم قولت لهم وأنا معكم.. عالم مجهول بالنسبة لي.. أفراد جيش وسلاح وأشياء أخرى ..
اقتربت .. فقيل لي إتفضلى ادخلي للتفتيش .. لم أبالى كثيرا وذهبت لحجرة التفتيش النسائي وهى عبارة عن خيمة في الشارع .. على طرف المخيم ..
وبدأت الشرطية تستعد لتفتيشي .. وبدأت خطواتي تقترب منها .. وياليتنى ما كنت مررت .. ولا كنت اقتربت .. فهاهي أشاهدها ترتدي واقي على نفسها أو كما يطلقون عليها كمامة .. وتعدل الجوانتى في يدها .. وكأنها ستفحص حيوان تخشى من العدوى ..بدأت خطواتي في البطء .. وبدأت أشعر ببعض الخزي .. ولكنى تذكرت الهدف للحظة .. فدخلت عليها وقدمت لها التحية .. فهي تقوم بواجبها .. وبعد أن تعرفت على بدأت تخفف عنى ما تفعله في جسمي بأن تبادلني الحديث .. أنتمي مصرية ؟؟ ولماذا أتيتى ؟؟أتحدث لها لكنى لا أسمع صوتي .. فلم أتعرض لموقف كذلك في حياتي .. ويديها تفحص جسمي أشعر بكل أحاسيس إهدار الكرامة .. وربما أحاسيس مبالغ فيها .. أفهم أنها نتيجة لانفعالي بالحالة .. ولكنها أصابتني في مقتل .. ما الذي يحدث ، أين كلمات أمي التي كانت تقول أنه سيأتي وقت على بلادنا العربية نمر فيها بلاحواجز .. يالنى من طفلة لا تفهم مايدور .. أو حمقاء لا تعي متغيرات الأوضاع ..
انتهى تفتيشي .. وأرى استياء الشرطية .. فهي تعرف كم تسببت في إيذائي ولكن غصب عنها .. فقد بدت على وجهي دموع لم أراها إلى وهى تربت على كتفي ..
خرجت من عندها مهرولة إلى زميلي مأمون لألحق به .. وأقول لهم أدخلونا لقد فعلنا ما طلبتم .. ونحن لسنا هنا لنعيب على أحد .. فوجودنا إنساني لا يحمل شارة أي فصيل .. بل الانسانية ...
ووجدته لأول مرة منذ بداية رحلتي معه .. غااااااضب .. دكتور مأمون ماذا بك ؟؟ قال يرفضون دخولنا أيضا .. حولنا وحاولنا.. شباب رائعين لكنهم ينفذون ما يرونه واجب مهنتهم. كل منهم يقول لو كنت أملك كنت ساعدتكم فأنتم تركتم أهلكم لمهمة انسانية .. وها هو المسؤل عن المدخل يتبادل الاتصالات التي تبوء كل مرة بالفشل ..
وبعد ما قلنا كل ما نريد جاءنا باسم من على بعد يشاور لنا .. هيا لا تضيعوا الوقت لقد أصبحتم في البلاك لست ولن تدخلوا من هذه البوابة ..
جاءنا تليفون صديقة أجنبية وقالت أنها ستساعدنا ، ولكن علينا أن نذهب فورا لنتصور صور شخصية لاستخراج ترخيص بزيارة فورا .. تجدد الأمل ثانية .. وكلما جاءتني لحظة التفتيش وبادرني الإحساس بالألم إذا بالمجموعة تقول ستدخلى يا دكتورة .. لن تذهبي لمصر إلى بعد أن تمري على المخيم .. البارد الذي تحلمي بزيارته ..
رحلة طويلة سيرا هنا وهناك .. تصوير وسحب صور وإخراج كارنيهات وتغليفها ... حالة يشترك فيها كتيبة بين المستوصفوالجمعية والشباب .. إلى أن أصبح معنا كارنيهات .. بقى أن نختار بوابةأخرى .. واصطحبنا شاب فلسطيني رائع .. ربنا يكرمه ..
ودخلنا إلى هناك .. إلى البارد .............................................. هذه النقاطتشبه الكلمات التي يزيلها مقص الرقيب من الأعمال الفنيةوالأدبية.. فما يمكن أن يكتب مكان هذه النقاط ربما لا إنساني بالمرة ..
لم أكن أعي رغم عمري الذي تجاوز الاثنين وثلاثين عاما معنى كلمة ( تدمير ) كما وعيتها في هذه المشاهد ..
لمأعي كلمة (قهر ) كما رأيتها وعايشتها هناك .. لم أعي كلمة ( خراب ) كما عايشتها هناك ..
مفاهيم تختلط .. وأحاسيس متخبطة .. وجسدي ربما لم يعد يلحق بما يرى .. فكدت أهوى وأنا أمر على نهر البارد فقد وضعوا على شريط النهر أنابيب بترول لتمر عليها تقطع النهر ..
وفى كل مكان حريق ودمار.. وكلما أتيت لأصور مكان قيل لي خدي بالك الشرطي يراك هناك.. فالجيش موجود في كل ثقب ..تجده أعلى الأماكن الخربة .. وأسفلها .. السيارات المحترقة.. والبيوت التي أصبحت أكوام رماد ..
استضافنا شخص في منزله .. أقصد أطلال منزلهفلم يعد سوى السلم الذي صعدناه على أطراف أصابعنا وكادت إحدى الفتيات تقع من فوقه ..
لم نتحمل الكثير .. ظللنا بالداخل قرابة الساعتين .. وكنا نتمنى المزيد ولكن دخول اللسل ما جعلنا نخشى أننستمر أكثر ..
خرجنا نلملم جراحنا .. لابد أن نستمر مع هؤلاء الذين سيتلمون هذه الكوارث ربما باقي عمرنا حتى نستطيع أن نداوى بعض جروحهم ..
خرجنا من المخيم .. وهو أخر يوم لنا مع المجموعة وسوف نودعهم عندها .. سنوصلهم إلى مخيم البداوى ونرحل .. فاستقلينا السيارة .. ووجدت مناسبا أن نستمع لبعض الأغاني ليفرغ الجميع عما به بعد أن تجمدت الدموع .. فكل منا يخشى على الأخر ..
وأخذت جهاز باسم وأسمعتهم عدة أغنيات منها: الحلم العربي .. ثم أم الشهيد .. ثم الأقصى نادى .. حتىدمعت العيون .. وبدأنا نتحدث حول رغبتنا الأكيدة في النصر .. النصر على أوجاعنا .. والتداوي بين الناس .. تذكرنا ما الذي حدث من قبل .. وكيف هدم لنا وبنينا .. تذكرنا أننا لن نتفارق .. فقد سنبعد بعدا موقتا .. ولكننا سنبقى حلما لبعضنا البعض .. سنبقى مادمنا نتنفس على تواصل لكي يبقى آخرين نعيش لخدمتهم .. فمن يعيش لهدف سام لابد أن يحافظ على نفسه إن لم يكن لذاته ، فلمن وهبهم حياته ..
قلنا السلام .. ولعله أمل .. ولعلها دعوة .. لنعش معا في سلام ..
لم تنتهي صتنا هناك حتى لو كان مت هذه هي الحلقة الأخيرة .. فلازال هناك جديد يبدأ .. فريق أمل البارد .. الذى يبدأ من حيث انتهينا ..
أدام الله كل من يعمل لوجهه
التعليقات حول الموضوع
1- ربنا يسامحك ويبارك لك باسم حمدي - 2008-02-11 08:57:05 ربنا يسامحك يا داليا فكرتيني بهذا اليوم كان من الأيام التي لا تنسى في حياتي ومحتاج جلسات وجلسات تفريغ نفسي لأحكي عنه :(