يوميات أخصائية نفسية : آفات الحياة الزوجية ( 4 ) إقتحام خصوصيات الطرف الأخر
التاريخ: الجمعة 16 أكتوبر 2009
الموضوع: أزواج وزوجات


حينما يعقد الزوجين عقد الزواج ، فإنهما يقرا باستعدادهم لإقامة حياة جديدة أساسها الحب والمودة والإحترام المتبادل وينصهرا معاً فى حياة شديدة الخصوصية وصفها رب العزة بالرباط الغليظ ، فما تعرفه الزوجة عن زوجها قد لا تعرفه أمه وكذلك ما يراه الزوج من زوجته ، ومع هذا فإن هناك خطأ كبير نقع فيه ، حينما نلغى للأخر مساحاته الخاصة ، ليس من باب الغيرة كما تحدثت فى الجزء الأول من هذه السلسلة ، ولكن من باب الفضول ، والرغبة الملحة فى معرفة كل شئ عن الطرف الأخر ، وتصر بعض الإتجاهات فى التعامل مع الزواج باعتباره يلغى الحدود الشخصية للفرد ، فيطالب كل من الزوجين بأن يقرا لبعضهما عن كل شئ ، فتعرف الزوجة أصدقاء زوجها ومجال عمله بدقة ، ورصيدة فى البنك ، وكم يعطى لأخيه مساعدة له فى دراسته ، أو أخته مساعدة لها فى المعيشة و......... و........ و....ونفس الشئ بالنسبة للزوج .

 

وقد يدفع هذا الإعتقاد – الخاطئ – بعض السيدات – خاصة السيدات للأسف لتوافر الفضول بدرجة أعلى من وجودها لدى الرجل – إلى عدد من التصرفات غير المسؤلة أو التى توصف بأنها تصرفات غير مقبولة تضعها فى مأزق حقيقى إن هى كشفت عنها ، من قبيل البحث فى تليفون زوجها ، أو إيميلاته ، أو محفظة نقوده ، أو أوراق عمله ، ويصل الأمر ببعضهن إلى تكليف سكرتيرة أو سائق أو زميل بالعمل لمراقبة زوجها وقد يكون ذلك من باب الغيرة ، ولكنه قد يكون أيضاً من باب السيطرة والرغبة فى معرفة كل شئ ..

 

الغريب فى الأمر ، وما يدفعنى للكتابة عن الموضوع أمرين :

 

1- أن الزوجة – أو الشخص الذى يبحث فقد يكون الرجل – هو أول من يضار من الأمر  حيث أنها تعرف أشياء يخفيها الأخر عليها حفاظاً على مشاعرها ، وكانت الحياة تسير دون مشكلة ، لكن ما إن عرفت .. وبدأت تشك فى كل شئ ، ولا تشعر بطعم أى شئ من الطرف الأخر فقد بدأ الوسواس يدب بينهما ويحرم عليها كل شئ جميل ، وهنا نتذكر ما حدثنا عنه رب العزة فى (ياأيها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم )  .

 

2- أن الكارثة والضغط النفسي الأكبر فى هذا الإكتشاف لا يعود فقط منه فى حد ذاته ، وإنما يعود أيضاً إلى عدم قدرة الشخص على الإفصاح عما توصل له ، لأنه توصل له بإسلوب غير لائق وبالتالى لا يملك الشخص حتى أن يعاتب أو يغير معاملته لإن الطرف الأخر سوف يطلب منه تفسير لذلك ، وهنا يمر الشخص بأصعب مرحلة فهو كالممثل الذى يعانى ألم حاد أو لتوه خارج من وفاة عزيز ومطلوب منه أن يُضحك الجمهور !!

فإذا ما صرحت الزوجة - أو الرجل  فى بعض الحالات النادرة – عن مصدر معرفتها فسوف يضرها ذلك بأن توجه لها تهمة أنها إخترقت حدود زوجها وفعلت فعل باطل وما بُنى على باطل فهو باطل ، والأمر الأهم .. أن ذلك سيمنعها من الإستمرار فى هذه اللعبة التى ترى نفسها فيها أذكى باعتبارها تتابع خطوات زوجها ، لكنها فى الحقيقة لا تعرف أنها بهذا تدمر حياتها ، وتعكر كل ما بينهما ، فربما تدرك أمر بشكل خاطئ أو ترى صورة مبتورة تحتاج لتفسير من شخص واحد فقط هو زوجها ، ولكن لكونها قامت بالحصول عليها خلسة وبطريقة غير مشروعة فإن ذلك يُحدث الإحتقان الدائم لديها ..

 

لذا .. أرجو التأكيد على ضرورة أن نترك للأخر مساحته الخاصة ، مُسَلِمين بأن كل صاحب فعل يتحمل فعلته ، وأننا لا نملك الناس حين نتزوجهم ، نحن فقط نشاركهم الحياة ، وندخلهم على أكبر جزء منها باعتبارهم فى مكانة مختلفة عن الناس ، لكن يبقى للشخص قدر لانسانيته ، فالرجل يتعامل مع زملاء العمل بالطريقة التى يراها ، والمرأة تمنح أهلها مال من مالها الخاص من ذمتها المالية الخاصة التى أقرها لها الإسلام ، ويبقى قدر حر لكل فرد ، جزء خاص لا يعنى الزواج أبداً قتله ، فيعيش كمن يعيشون فى الشارع كل ما لديهم مكشوف ..

خاصة أن الإنسان ، كل إنسان يميل لأن تكون له مساحة خاصة ، ربما يمنحها لشخص طواعية أو يحتفظ بها لنفسه ، وربما يكون الشخص الذي يمنحها له ليست زوجته فقد يكون صديق يعلمه كل شئ عنه ، لأنه من يقف خلفه ، يعرف رصيده فى البنك لأن زوجته مسرفة مثلاً ، أو يعرف مشاريعه القادمة لأن زوجته تراه مخاطرة وترغب فى أن يحافظ على الوظيفة وبالتالى ستكسر من همته وتثبت همته ، أو تعرف زوجة مشكلات والدها ووالدتها لأختها أو صديقة عمرها فربما يكون زوجها ممن يعلقون بطريقة تكرهها على أسرتها وهى تتحاشى ذلك.. ربما ، وربما ، وربما ..

 

وهنا يجب أن تكون القاعدة أن أترك لزوجى /تى  مساحة خاصة وأترك له أو لها الدرجة التى تدخلنى فيها مادام أمر بعيد مثلاً عن شرف الرجل أو ماله أو غيرها من الأمور التى تم الاتفاق عليها ..

 

كم من حالات طلاق تمت .. بل أننى أقسم لكم كم عايشت حالات طلاق من خلال عملى بالإرشاد الزواجى وكذلك من خلال عدد من المعارف والأصدقاء ، ظلت الزوجة أو الزوج يبحث عما لا يعرفه عن الطرف الأخر حتى باتت الحياة غير محتملة ، وكان الطلاق أفضل الحلول بالنسبة لطرفين إعتقد طرف منهما أنه إشترى الأخر ، فراح يبحث عن كل شئ يخصه غير محترم لخصوصيته الإنسانية فى مساحة بسيطة ، إن كان يمارسها خطأ فعليه وإن كان يمارسها صح فله ، مادام لا يؤثر على الطرف الأخر من حيث المسؤليات بدايةً من المشاعر التى لا تقدر بثمن حتى تموين البيت ومصيف الأسرة وغيرها مما قد يكون له ثمن كبير لدى البعض !!!     

    









أتى هذا المقال من عين على بكرة للمساندة النفسية والتنمية الأسرية
http://www.3ain3alabokra.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.3ain3alabokra.com/article-328.html