يوميات أخصائية نفسية: إذا كان (الوسط) يعنى (أللا) قرار.. إذن فهو أسوأ إختيار!! التاريخ: الخميس 04 فبراير 2010 الموضوع: إدارة الذات
كلمة براقة .. ورؤية أو إتجاه يعتقد صاحبه أنه يحقق أعلى درجات الأمان من خلال الإلتزام به، أو إختيار يجنب الكثيرين الوقوع في تصنيف ما أو الحساب على فصيل ما..
الوسط .. الذي يميل البعض لإتخاذه كموقف إعتمادا على بعض التوصيات الدينية التي تشير لنا إلى أن رسولنا الكريم إذا ما خُيِرَ بين عدد من الأمور إختار أوسطها إن لم يكن به معصية، وقد وصفنا رب العزة بأننا الأمة الوسط، ليوضح لنا عز وجل أهمية الوسطية والبُعد عن التشدد أو الطرفية في كل شئ .
وإذا كان هذا هو المعنى الإيجابي للأمر ، فإن المعنى السلبي أو التطبيق السلبي للإصطلاح يعني أمراً في منتهى الخطورة ، وأعني هنا حينما يعنى الوسط (أللا) قرار ، وأللا موقف، فتجد الشخص يقف في (المنتصف) من أمور حياته الهامة دون أن يأخذ موقف حتى من الأمور المصيرية فيها.
وهنا يعني الوسط معنى أقرب للامبالاة، أو اللاموقف كما أشرت، وهذا المعنى هو الذي أقصده في موضوعي الحالي لأشير إلى أضراره وما يحصده الفرد سلباً من ورائه.
فكثيراً ما نواجه أشخاص يقفون من أمور حياتهم موقفاً وسطاً – بالمعنى الذي حددته- وبالتالي تجدهم غير ذي ملمح، وحياتهم ليس لها وجهة معينة، كالسفينة التي تبقى في نقطة في منتصف البحر باعتبارها أكثر أمناً وأماناً من الشاطئ على كلا الطرفين، فربما يجد صعاب على هذا المرسى أو ذاك ، وبالتالي تكون نقطة الوسط هي النقطة الأكثر أماناً!!!
وينسى صاحب الوسط أنه يمضي عمره دون شئ، دون معنى، وبلا أي تقدم مادام يقف في المنتصف، فلا معنى لأي شئ، فحتى لو واجه بعض المخاطر على أياً من الشاطئين فسوف يضيف له ذلك بعض الخبرات التي ربما يُحرم منها عمره كله لكونه بقي في نقطة لا تُقدم ولا تؤخر.
فالكثير ممن حولنا تذهب عنهم حياتهم لأنهم يفضلون البقاء في منطقة الأمان المسماه بالوسط،فنعم للحب ولكن لا لقرار الزواج ولا الإبتعاد، ونعم للعمل في وظيفة لا يحبها ولكن لا لتطوير الذات لتركها مستقبلاً ولا لمحاولة الإستمتاع بها والبحث عن إيجابيات لتعزيز البقاء فيها، نعم للحياة الزوجية التعسة التي لا أحد فيها يُشبع الأخر بعد أن تعقدت الحياة، ولكن لا للإنفصال ولا للسعي لإصلاح الحياة للإستمرار في وضع أفضل، نعم للحديث عن الفساد ، ولكن لا لمواجهته ولا تركه والعمل على مستوى فردي على الخفض منه على الأقل على المستوى الذاتي ، نعم للعلاقات بين الجنسين في الخفاء، ولكن لا لأخذ موقف لإعلانها ولا القرار بالتوقف عنها ، نعم لحب المتبرجة –كما يصفونها- ولكن لا للإرتباط بها ولا للبعد عنها باعتبارها مختلفة ، ونعم .. ولا .. ونعم .. ولا..
وفي جميع المواقف السابقة وغيرها يقف صاحبها في نقطةالموت أو نقطة المنتصف دون أن يأخذ قرار ويتحمل مسؤليته ، لنبقى نتمتع بعين في الجنة وأخرى في النار، لنبقي كثير من عمرنا بين بين، وننتقد من يقعون في هذا الجانب ومن يقعون في هذا الجانب لأننا لا نشعر بالإنتماء لا لهؤلاء ولا لهؤلاء .
كثيرة هي المشاكل التي تظهر نتيجة لهذا الإتجاه في الحياة، وكثير هؤلاء الذين يأتون لنا باستشارتهم النفسية أو الأسرية يعانون أياما معاناة من هذه الحالة، التي لا نعتقد أنهم سيعانون بقدرها في حال إختاروا أياً من الخيارين المعروضين عليهم .
لكل قرار يتخذه إنسان في حياته ثمن يدفع، فكل حرية تعني مسؤلية يدفع ثمنها الشخص على أي مستوى من المستويات، أما من يرى نفسه أكثر ذكاءً ويعتبر من حوله أقل ذكاء، ويختار أن يبقى في المنتصف وبين الإختيارين فإنه يدفع ثمن أكثر ولو حرص .
ذلك أن من يختار إختياراً يستمتع به لأنه حقق ما أراد، وهذا الإستمتاع ربما يقلل من ألم الثمن الذي يدفعه، أما (أذكى إخواته) والذي يحرص على اللاإختيار والوقوف من الأمور موقفاً وسطياً فهو يدفع الثمن من تلك الحالة التي يعيشها دون هوية، دون متعة أحد الإختيارات، دائما ينتظر أن تنتهي حياته دون أن يرى أياً من الشاطئين، وتمضي حياته منه بلا مكسب يحققه يقول لنفسه بمنتهى القوة إنه دفع لأجله .
أتمنى ألا يصبح (الوسط) بهذا المعنى ثقافة، فنبقى جميعاً في المنتصف دون قرار بالإبحار فتغرق السفينة بنا غير مأسوفٍ علينا .
قرر .. وخذ موقف .. على الأقل من الأشياء المصيرية في حياتك، ولا تسمح لسنوات عمرك أن تمر من بين يديك وأنت أسير مرحلة ومنطقة تعتقد أنها منطقة الأمان ، فلا يوجد أمان 100 % 100 إلا تحت الأرض حين لن يفرق معك شيئاً وقتها لأنك تحولت إلى عالم آخر مختلف تمام الإختلاف عن عالمنا .