يوميات أخصائية نفسية: (في إستقلال البنات)..ماما.. بابا.. شكراً لخدماتكم .. موبايلات بقى!!
التاريخ: الخميس 08 يوليو 2010
الموضوع: الأسرة والمجتمع


كتبت الصحفية الشابة والصديقة العزيزة يمنى مختار منذ أسبوعين تقريباً موضوعاً صحفياً بجريدة المصري اليوم أخذت فيه رأيي كمتخصص في علم النفس ويدور الموضوع حول (إستقلال البنات عن أسرة الأهل) وقامت يمنى بالرجوع لبعض البنات اللاتي أقبلن على هذه الفكرة وكذلك أخذت رأي متخصصين أخرين غيري في النواحي الإجتماعية والجوانب الأخرى..

ولأن الموضوع الصحفي دائماً ما يكون رحلة سريعة يسعى فيها الصحفي إلى تغطية الموضوع في شكل فلاشات سريعة تعرض الرأي والرأي الأخر إضافةً إلى تجارب مر بها بعض الأشخاص فربما لم أعرض رؤيتي للموضوع بشكل واضح، ووعدت نفسي أنني سأفرد له موضوع خاص هنا على موقعي الشخصي، ولكن مع ضغط الوقت والعمل المستمر ربما ذهب مني الموضوع، إلى أن جاء اليوم وقابلت واحدة ممن سبق وحضرت لي تدريب عقدته في أحد الأماكن وظلت على تواصل معي لفترة وهي تخرجت من الجامعة منذ عامين وسررت لمقابلتها وأثناء حديثي معها إكتشتفت أنها تعمل في ثلاثة أماكن ووجدتها تكذب في التليفون بشكل غير طبيعي فتقول لصاحب العمل الأول أنها أمام جهاز الكمبيوتر تنهي ما طلبه منها وربنا يسهل وتقدر ترسله له اليوم لو كان أمر النت جيداً ، ثم  بعدها تقول للأخر أنها على الطريق ودقائق وتكون عنده بس يدعي إن ربنا يسهل الطريق لإن شكله لا يطمئن!!!!!

سألتها وأجابت : (بحوش عشان أجيب شقة وأستقل وأعيش)!!

فقلت : وأين بيت العيلة؟؟

 قالت " موجود وربنا يخلي الحاج والحاجة بس كفاية عليهم كده خلااااااااااااص، أنا تخرجت من الكلية متأخر 3 سنين يعني دلوقتي داخله على السابعة وعشرين سنة، وبدل ما أقعد أستنى العريس بقى ويا ييجي يا مايجيش قررت أستقل!!

الواحد ياخد شقة محندقة، ويشتغل ويقضي حياته ، تعرفي يا دكتورة إيه إللي بيخلي البنات تعبانة من عدم الجواز؟؟"

قلت : إيه؟؟

قالت : إنهم مضطرين يقعدوا مع أهاليهم والمفروض إن التطور الطبيعي للحاجة الساقعة، أقصد للبني أدمين إنهم بعد ما يكبروا يستقلوا ويكونوا حياة تشبههم بتاعتهم همه بمواصفاتهم همه أكلوا ما أكلوش خرجوا ماخرجوش.. يعني .. إستقلااااااااااااال "

قلت : والحاج والحاجة حالتهم الصحية تسمح بأنهم يقعدوا لوحدهم ؟؟

قالت : والله هي ما تسمحش أوي أمي عاملة المية اللى على عنيها ديه مرتين وأبويا من ساعة ما عرف إن عنده فيروس سي وهو حالته متدهوره ، بس هنعمل إيه ، سنة الحياة يا دوك!!!

قلت : مش عارفة ليه حاسة إنها فكرة بعيدة؟؟

قالت : ولا بعيدة ولا حاجة أنا كنت فاكرة الموضوع صعب لغاية ما واحدة صاحبتي قالت عليه وبدأت في التنفيذ فعلاً وأنا مكنتش مصدقة، هي بس أبوها حلف إنها ماتمشيش في جنازته وسبحان الله زي ماتكون إتكتبت فعلاً ومات وأختها الكبيرة ما بلغتهاش ، زعلت شوية والموضوع عدى، ما هو نفرض إنها إتجوزت ما هي هتسيب البيت، وبعدين الأب والأم إحنا إللي مسؤليتهم لكن همه مش مسؤليتنا ولو إن الواحد بردو مشبيبخل بحاجة والله عشان ربنا يفتح له باب الرزق ....................!!!

إنتهى كلامها .. ورددت .. هو صحيح الأهل عاوزين إيه من ولادهم ، مش أنهوا رسالتهم؟!!!

نزل كلامها عليَ كالصاعقة، فهل وصلنا لهذه الدرجة من الأنانية والتفكير الكامل في الذات؟؟

ولعل حديثها هذا هو ما جعلني عزمت على كتابة الموضوع الذي أجلته منذ أن نزل موضوع يمنى عن الإستقلال عن الأهل، والتي أعتبرها جريمة إنسانية نروج لها لتزيد من تدهور حياتنا تدهور أخر، لتزيد من أشكال الفردية التي هي أساس إنهيار المجتمعات خاصةً التي نعيش فيها، وحينما يرد البعض بأن هذا ما يحدث في الخارج ومع ذلك هم في قمة التقدم أقول لهم أنهم يسجلون أعلى درجات إقبال على الإنتحار نتيجة للشعور بالوحدة وغياب الشريك، ويستبدلون العيش مع الإنسان بالعيش مع الحيوان لصبح الكلب هو الوليف والقطة هي الإبنة والعصافير هم الأصدقاء والأهل، أقول لهم أن كثير من مشكلات الحياة التي نراها ممن ياتون لزيارتنا لطلب المشورة النفسية ترجع إلى غياب الأهل والأمان المتحقق بوجودهم، أقول لهم أن دور المسنين إنما هي أماكن أقسم إنني حين أزورها أكره الحياة بعدها لساعات قد تطول إلى أيام لأنها دليل على غياب الكثير من معاني الإنسانية ونكران الجميل .

ولكل منبهر بهذه الفكرة – الإنفصال عن الأهل- أشهد شهادة مهنية أن الكثيرات ممن إستقلين عن بيوت أهاليهن قد أصبن بإكتئاب حقيقي نتيجة لما تعانيه من نظرة المجتمع إضافة إلى مشاعر الذنب التي لا يمكنها مواجهتها بشكل كامل إلى جانب فقدان الأمان الحقيقي بوجود دعم الأسرة .

وتسألني بعض الفتيات وماذا عن الأسر المتسلطة والتي تعيش معها الفتاة في خلافات مستمرة، ومر بها العمر ولم تتزوج ، أليس من حقها إن كانت قادرة مادياً أن تستقل؟!!

وأجيب بعدة أسئلة أرجو أن تسألها كل فتاة ترى في أسرتها ذلك لنفسها وهي :

هل هناك حياة مع أى أخر تقوم على الإتفاق الكامل؟؟

هل الإنفصال عن الأسرة هو الحل المناسب لمشكلات التواصل معها؟؟

ماذا لو كنتي غير قادرة على الإستقلال من الناحية المادية وكان هذا هو الواقع الوحيد؟؟

ماذا ستقولي لأولادك في المستقبل؟؟

هل فكرتي في أن تكبري وتحتاجي صحياً أو نفسياً ومع ذلك يقرر أولادك الإستقلال؟؟

هل سقبل المجتمع هذا الوضع ويتركونك بحالك؟؟

هل ما تفكرين فيه لا يدخل في العقوق بدرجة أو بأخرى؟؟

هل أنتي قادرة على دفع مقابل هذه الخطوة في الدنيا والأخرة ؟؟

وقبل أن أفتح الموضوع للنقاش وأسأل الوجه الأخر للحياة وهو الرجل ماذا عن رؤيته للأمر وهل يتقبله أم ماذا عن موقفه نحوه أقول :

أعلم تمام العلم من خلال عملي أن هناك فتيات تعاني في أسرها، وأعلم أيضاً أن الإستقلال والحرية من ضمن الأحلام التي تداعب خيال البشرية كُلها على فترات العمر المختلفة، لكن في الحقيقة أن الثمن باهظ، وهو كأشياء كثيرة تلمع عن بعد لكن الإقتراب منها يوضح أنه السم المغطى بالعسل أو أنه كالأمور التي في ظاهرها الرحمة وفي باطنها كل العذاب، فإذا لم يدفع أفراد الأسرة للشرك بالله فإن ما قد نتعرض له معهم هو إبتلاء يجب علينا إدارته كما ندير علاقتنا بمدير سخيف أو رئيس لا يُقدر أو حبيب متسلط، وخطأ من يقول أننا لسنا مسؤلين عن أهالينا، فمن أضاعوا حياتهم لأجلنا ليس من العدل أن نسحب أنفسنا منهم حينما يحتاجوا لنا حتى لو كانت الحاجة حاجة نفسية فقط .

والأن أسأل كل شاب كيف ترى الأمر؟؟

وهل تقبل بالزواج من فتاة قررت -حين إستطاعت- الإستقلال عن أهلها؟؟

ولكل أم وأب أسأل : كيف تروا الأمر؟؟

في إنتظار أن نتشارك في المناقشة ربما نفتح لبعضنا أفكار تحمينا من هذا الطوفان الذي يغرقنا في الفردية شئياً فشيئا.                              

 









أتى هذا المقال من عين على بكرة للمساندة النفسية والتنمية الأسرية
http://www.3ain3alabokra.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.3ain3alabokra.com/article-479.html