فضيلة الاعتذار.. الفضيلة الغائبة
التاريخ: الأثنين 18 فبراير 2008
الموضوع: أزواج وزوجات



علاقاتنا الاجتماعية بشكل عام تصقل وتنمى بالخبرات الحياتية وتلك الخبرات مع مرور الزمن تحتاج للمران والتنمية حتى تزداد كفاءة ومن هذه الخبرات مهارات الحوار ، الاستماع، الرفض، الاعتراف بالخطأ ... الخ وتزداد هذه المهارات خطورة وحساسية حينما تكون في إطار الزواج.

وسنتناول هنا مهارة الاعتراف بالخطأ ( الاعتذار) فعلاقاتنا العامة بكل مستوياتها مليئة بالأخطاء بشكل عام  فأحيان تكون أخطاء عملية أو فنية وربما كانت أخطاء مطبعية،  لكن درجة الخطأ تزداد خطورة في العلاقة بين الزوجين خاصة حينما يحتد النقاش ويتم تبادل الاتهامات. والخطأ في حد ذاته يختلف في الحجم والنوع بل والجنس أيضا .. نعم ، فجنس صاحب الخطأ  له عامل في المبادرة بالاعتذار وتقبله أو حتى رفضه.

و العلاقة بين الزوجين من أسمى العلاقات البشرية  و أدومها إذ أنها من المفترض أنها قائمة على الود والتراحم فيما بينهم لذا لا يوجد فارق بين من يبدأ الاعتذار طالما وجدت المحبة والتسامح فيما بينهم إلا انه في بعض المواقف نرى احد الطرفين قد يكابر في الاعتراف بالخطأ وربما أقر بينه وبين نفسه بخطئه لكن عزة نفسه تمنعه من المبادرة بالاعتذار.

فإن اعتذر أحدهما للآخر فإن ذلك كفيل بخلق نوع من الرضا بين الزوجين ويدمج الطرفين في الحياة الزوجية دون حساسيات أو دون أن يشعر أحدهما بالانتصار على الآخر على النقيض تماما فإن  العناد والتمسك بالرأي يخلف خرابا للبيوت ودمارا لا يؤثر في الزوجين فقط بل والأبناء أيضا.

قف ... أنت رجل 

ثقافة الاعتذار نفسها تظل غائبة عن كثير من بيوتنا وقد يرجع ذلك إلى خلفياتنا التربوية ، فنحن نسمح لبناتنا بالبكاء بل والنحيب أيضا بينما ننهره في أبنائنا الذكور متعللين بأن الرجل لا يبكي .. وعلى نفس المثال نقيس "الاعتذار" فالرجل لا يعتذر لسبب واضح وجلي وهو" أنت رجل " والرجل غير مسموح له لا بالبكاء ولا بالتعبير عن مشاعره ولا حتى بالاعتذار ...وقد رسب الوالدان في أذهان أبنائهم الذكور بان الاعتذار يقلل من رجولته ويظهره بشكل ضعيف تهز من صورته كرجل.

وشب وهرم  أطفال الأمس على أن  الاعتذار يشين رجولتهم الكاملة وأخذ الاعتذار يقف كعثرة في الحياة العملية والزوجية كذلك للرجال ، وما أقسى تلك المواقف التي يتحتم على الرجال الاعتذار  لزوجاتهم، والتي غالبا ما يتملصون منه بحيل ما وربما يرفضون الاعتذار فعليا ويقاومونه لأنهم لا يحبون الاعتراف بالخطأ ولا الشعور بالخسارة.

وربما لان  ثقافتنا اعتادت أن توكل المهام الجسام على الرجال مرسخين في أذهان الأبناء أن الرجل أكثر قدرة من المرأة للتعامل مع الأزمات وحل المشاكل لذا هو يشعر بسحب بساط التميز من تحت قدميه إن بادر بالاعتذار.

وفي أحيان أخرى يرفض بعض الرجال الاعتذار لاعتقاده دوما بان قراره كان صائبا وأن الرجال أوتيت من الحكمة والفطنة مالم تؤته النساء لذا فهو دائما على حق ولا يعتذر إلا إذا رأى هو شخصيا أنه مخطئ ويرفض تماما بل ويكابر عن وجه له أحد تهمه " الخطأ" .

فضيلة الاعتذار 

 المبادرة بالاعتذار تخلق في الزوجين الكثير من الود والتسامح فلا ضير أبدا من تقديم الاعتذار لمن أخطأ في حقه خاصة إذا كان في تصرفه إهانه له . وليس بالضرورة تقديم الاعتذار صريحا فمن أخطأ في حقه يكون غالبا متعطش لأي مبادرة بالاعتذار من المخطئ فإن لم يستطع قول كلمة " آسف " فيمكنه الاعتذار بصيغ أخرى مثل:

ü    تقديم هدية بسيطة ولو زهرة.

ü    إذا وجد احدهما منهمك في إعداد عمل ما فيمكن للطرف الآخر أن يعرض مساعدته عليه.

ü    تطيب خاطر المسيء إليه ببعض الكلمات الطيبة حتى تصفى من أي ضغائن.

ü    استرجاع الأيام الخوالي يلين القلوب ويجلوها بالحنين والود.

ü  ذكر محاسن الطرف الآخر أمام الغير يشعر صاحبها بالتقدير والاهتمام ويدفعه لغض الطرف عن أخطاء المسيء إليه.

ü  فتح باب النقاش بين الزوجين والعتاب اللطيف مع تفهم كلا الطرفين لدوافع غضب الآخر يفتح معه القلوب لتزيل أي رواسب متراكمة ويزرع عوضا عنها الود والتسامح.

ü    يستوجب على الطرفين تواجد حالة من التسامح لنسيان ما حصل حتى تستمر الحياة.

دور المؤسسات التربوية

قد يتبادر إلى الذهن كيف أن البعض يتعالى على الاعتذار والبعض الآخر يرفض قبول الاعتذار نفسه متعللا بان كبريائه تحيك في صدره ويرفض الصفح بسهوله... في حين ان الله عز وجل يقبل التوبة التي من شروط قبولها الاعتراف بالخطأ والندم عليه والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى ويفتح بابه للتائب ويمحو خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر!

لذا نرى من الضروري أن يقوم الوالدين بتنشئة الأبناء على الاعتذار وانه ليس هناك فرق بين المخطئ إذا كان ذكرا وأنثى لأن الخطأ واحد والخطأ لا يفرق بين جنس ولا دين ، ويستطيع الوالدان ضرب المثل بأنفسهم كنموذج للاعتذار والصفح فتقديم الاعتذار اللطيف لأحدهما أمام الأبناء يزرع بداخلهم أن الخطأ يستوجب الاعتراف به والاعتراف بحد ذاته بما يتطلبه من شجاعة وشهامة يستوجب التقدير والاحترام وبالتالي الصفح والمسامحة.

ضرب الأمثلة بقصص خاتم المرسلين والسلف الصالح يبني بداخل الأبناء تقدير واحترام الذات فهاهو أبو ذر يقول : إني كنت ساببت (شتمت) بلالاً، وعيرته بأمه؛ فقلت له: يا ابن السوداء، فشكاني إلى رسول الله (، فقال لي النبي (: (يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)، فوضعت رأسي على الأرض، وقلت لبلال: ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي، فقال لي بلال: إني سامحتك غفر الله لك.

كذلك يتحتم على مراكز تأهيل ما قبل الزواج بما أنها احد المؤسسات الاجتماعية- أن تضمن مدخلا ينمي ثقافة الاعتذار لدى المقبلين على الزواج وتدربهم عمليا على ذلك ( بتمثيل دور زوجين متنازعين) حتى يتم تدريبهم على حل الخلافات بالحوار الهادئ الهادف.بل وتقدم محاضرات وندوات تنمي ثقافة الاعتذار

أما عن المدرسة ودُور العبادة فإنها مكمل للدور التربوي للبيت ويظهر ذلك جليا في المسرحيات المؤداه على مسرح المدرسة مثلا، وتوجيهات المعلمين للطلبة في حالات الخصام والنزاع  مثل ضرب الأمثلة لهم وكذلك الحال في نشاطات دور العبادة وقصص السلف  المروية في الحلقات الدينية.

وأخيرا يكتمل الدور التربوي بدور الإعلام بكل صوره فالصحافة مثلا وإن كان دورها نقل الأحداث فيفضل أن تقلل من الأخبار الخاصة بالثأر والانتقام لتعمل على نشر السلام والصفح بين القراء ومن الممكن أن تنقل وسائل الإعلام مجالس الصلح العرفية حية على الهواء أو تقدم محاضرات وندوات في ثقافة الاعتذار وإعلانات تزكي التسامح وتعلي من الروحانيات.









أتى هذا المقال من عين على بكرة للمساندة النفسية والتنمية الأسرية
http://www.3ain3alabokra.com

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.3ain3alabokra.com/article-80.html